المنصة ميديا – سلام هانەدنی
في أحد الأزقة القريبة من سوق قضاء سيد صادق، وسط حركة الناس وضجيج السوق، يفتح مطعم أبوابه يومياً أمام العمال والفقراء وذوي الدخل المحدود. وبالنسبة إلى عدد من سكان المدينة، لا يمثل المكان مجرد مطعم، بل فرصة للحصول على وجبة غداء مجانية.
قبل الساعة الحادية عشرة صباحاً، يبدأ العمال والحمّالون وذوو الدخل المحدود بالتجمع أمام المطعم تباعاً. وينتظرون حتى الساعة الحادية عشرة والنصف، حين تُفتح الأبواب وتُقدَّم لهم وجبة الغداء.

افتُتح المطعم باسم «خوان خيري مريوان حاجي جمال»، ضمن مشروع خيري أسسه رجل الأعمال مريوان حاجي جمال، ويهدف إلى تقديم الطعام للعمال والفقراء وذوي الدخل المحدود في المدينة. وكانت منشورات محلية رافقت افتتاحه قد أشارت إلى تقديمه وجبات غداء مجانية للمحتاجين.
«أُعد الطعام لـ300 شخص. في بعض الأيام يتبقى قليل منه، وفي أيام أخرى ينفد الطعام، أي إن أكثر من 280 شخصاً يزورون المطعم يومياً».
يقع المطعم على مساحة تبلغ نحو ألفي متر مربع، ويعمل فيه عشرة موظفين، بينهم طباخون وعمال يتولون إعداد الطعام وتقديمه للأشخاص الذين يقصدون المكان لتناول وجبة الغداء.
يقول توانا محمود، المشرف على المطعم، لـ«المنصة ميديا»، إن فكرة المشروع تعود إلى مريوان حاجي علي، مضيفاً: «اختار مدينة سيد صادق لأنها تضم عدداً كبيراً من العمال والفقراء وذوي الدخل المحدود. لذلك قام بهذا العمل حتى يتمكن من تقديم خدمة لهم».
وتظهر بيانات هيئة إحصاء إقليم كردستان أن نسبة البطالة في محافظة السليمانية بلغت 12 في المئة عام 2021، وفق أحدث رقم منشور ضمن المؤشرات العامة للهيئة.
وبحسب محمود، يُعد المطعم يومياً طعاماً يكفي نحو 300 شخص، ويفتح أبوابه من الساعة الحادية عشرة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر.

ويرتبط اختيار هذا التوقيت باحتياجات العمال والحمّالين العاملين في السوق، إذ يقضون ساعات عملهم بعيداً عن منازلهم، ولا يستطيع بعضهم تحمل كلفة شراء الطعام يومياً.
داخل المطعم، يبدأ طباخان منذ الصباح بإعداد الطعام. ويقول توانا، الذي يعمل طباخاً أيضاً، إن مستلزمات الوجبات تُشترى من السوق ليلاً أو في الصباح الباكر، وإن عمله يبدأ عند الساعة الثامنة صباحاً ويستمر حتى الحادية عشرة، عندما يصبح الطعام جاهزاً.
تتألف الوجبات عادة من الأرز والشوربة والدجاج، وتختلف طريقة إعدادها من يوم إلى آخر، فيما يُقدَّم اللحم في بعض الأيام.
يقول توانا: «أُعد الطعام لـ300 شخص. في بعض الأيام يتبقى قليل منه، وفي أيام أخرى ينفد الطعام، أي إن أكثر من 280 شخصاً يزورون المطعم يومياً».
ويشكل الحفاظ على نظافة الطعام ومكان العمل جزءاً من مهام العاملين في المطعم. وبحسب توانا، تزور لجان صحية المكان بصورة مستمرة للتأكد من التزامه بشروط النظافة والسلامة الصحية.
«أصبح هذا المطعم مكاناً للنجدة بالنسبة إلينا نحن العمال وعمال النظافة. هنا نتناول طعاماً جيداً ونظيفاً مجاناً، ويوفر لنا ما لا يقل عن 100 ألف دينار كل شهر».
ولا يطلب المطعم من زائريه تقديم وثائق تثبت فقرهم أو مستوى دخلهم. ويوضح المشرف أن المكان أُعلن منذ افتتاحه بوصفه مطعماً مخصصاً للفقراء وذوي الدخل المحدود، وأن أهالي المدينة يعرفون الأشخاص الأكثر حاجة إلى هذه الوجبات.

من بين الأشخاص الذين يتوجهون يومياً إلى المطعم رزكار محمد، وهو عامل في إحدى شركات تنظيف شوارع السوق.
يقول رزكار إنه كان، قبل افتتاح المطعم، ينفق نحو ثلاثة آلاف دينار يومياً على وجبة الغداء، وهو مبلغ يصعب عليه تحمله من راتبه الشهري البالغ 300 ألف دينار. ويقل الراتب الذي ذكره رزكار عن الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، الذي تقول حكومة إقليم كردستان إنها رفعته إلى 450 ألف دينار شهرياً.

تأتي هذه المبادرة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، إذ أظهر تحليل هيئة إحصاء الإقليم لأسعار المستهلك أن محافظة السليمانية سجلت زيادة في هذه التكاليف بلغت 6.6 في المئة بين كانون الأول 2024 وآذار 2026.
يقول رزكار: «أصبح هذا المطعم مكاناً للنجدة بالنسبة إلينا نحن العمال وعمال النظافة. هنا نتناول طعاماً جيداً ونظيفاً مجاناً، ويوفر لنا ما لا يقل عن 100 ألف دينار كل شهر».
ولا تقتصر الاستفادة من المطعم على رزكار، إذ يقصده يومياً عمال الشركات والحمّالون وغيرهم ممن تضطرهم طبيعة عملهم إلى تناول وجبة الغداء بعيداً عن منازلهم.
ومع مرور الوقت، لم يعد المطعم مكاناً لتناول الطعام فقط، بل أصبح أيضاً مساحة يلتقي فيها العمال يومياً، ويتبادلون أخبارهم ويتحدثون خلال وجبة الغداء.

ويقول توانا محمود إن الموظفين يشعرون بالسعادة تجاه عملهم، لأنهم يقدمون، بحسب اعتقادهم، خدمة لشريحة من المجتمع قد لا تملك القدرة على تأمين كلفة وجبتها اليومية.
ويضيف: «أصبح معظمهم معروفين لدينا، وإذا غاب أحدهم يوماً نسأل عنه لدى أصدقائه».
وتبلغ النفقات اليومية للمطعم، بحسب تقديرات إدارته، نحو 500 دولار، تشمل تكاليف المبنى والكهرباء وأجور الموظفين والمواد الغذائية، ويتحملها صاحب المشروع كاملة. ويفتح المطعم أبوابه يومياً باستثناء يوم الجمعة.
ويقول مشرف المطعم إن الإدارة ستزيد عدد الوجبات إذا ارتفع عدد الزائرين، وإن المشروع سيواصل عمله بوصفه مشروعاً خيرياً طويل الأمد.

لم يعد «خوان خيري مريوان حاجي جمال» مجرد اسم لمطعم في أحد أزقة سيد صادق، فقد أصبح موضع حديث بين سكان المدينة ورجال الدين، ومكاناً يقصده يومياً عمال وأشخاص محدودو الدخل للحصول على وجبة غداء من دون مقابل.

وخلال ساعات تقديم الطعام، يستقبل الموظفون الزائرين بهدوء، ويقدمون لهم الوجبات من دون مطالبتهم بإثبات حاجتهم أو الكشف عن مستوى دخلهم. ثم يغادر العمال تباعاً عائدين إلى أعمالهم، قبل أن يتكرر المشهد في اليوم التالي.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



