أبو طالب الزيدي – واسط
في بستان على أطراف الصويرة بمحافظة واسط، تتوزع أشجار النخيل على مسافات متفاوتة. وتحت عثوق التمر المتدلية من أعالي السعف، يستعد العاملون لموسم الجداد، فيما يتركز عملهم على الوصول إلى الثمار في أعلى النخيل.
كان أحد الصعّاد يبدأ عمله حين أتينا إلى المكان. شدّ «التبلية» حول جذع النخلة وجسده، ثبّت قدميه، ثم أخذ يصعد بحركات سريعة ومتتابعة. وفي نحو عشر ثوان، كان قد بلغ أعلى النخلة واستقر بين سعفها، متجهاً نحو العثوق.

لم تعد التبلية التي يستخدمها الصعّاد اليوم بالضرورة مماثلةً لتلك التي استخدمها في بداية مهنته. فقد تغيرت المواد الداخلة في صناعتها، لكن وظيفتها بقيت كما هي: حزام يلتف حول الصعّاد وجذع النخلة، ويمنحه نقطة ارتكاز خلال رحلة لا تحتمل خطوةً زائدةً أو حركةً خاطئةً.
من الأعلى، بدا الصعّاد جزءاً من النخلة نفسها. يمد يده نحو العثوق، يتفقدها ويتهيأ لإنزالها إلى من يقف أسفل الجذع. قد يبدو المشهد بسيطاً لمن يراه للمرة الأولى، لكنه يخفي وراءه مهنةً كاملةً يتوارثها رجال اختاروا أن تبقى أقدامهم معلقةً بين الأرض والسماء، في وقت ابتعد فيه كثير من أبناء الريف عن مهن آبائهم وأجدادهم.
“زمان أول، جان عيب على الفلاح يجيب غريب يصعد نخلته… هسه الزمان تغير، لأن ابن الفلاح راح للوظيفة وأخوه توجّه للبلد”- أبو أحمد، صاحب بستان في ريف واسط
ليست مهنة الصعّاد حديثةً أو وليدة التحولات التي أصابت الريف العراقي. فصعود النخيل وتلقيحها وتكريبها وجني ثمارها أعمال قديمة رافقت زراعة النخلة طوال تاريخها. لكن هذه المهارات كانت في الماضي أكثر انتشاراً بين الفلاحين وأفراد أسرهم، إذ كانت النخلة جزءاً مباشراً من اقتصاد العائلة، وكان أصحاب البساتين يتولون بأنفسهم جانباً كبيراً من خدمتها.
ومع الهجرة إلى المدن، وتراجع الزراعة وتقلص البساتين، وتوجه أبناء كثير من العائلات الريفية إلى الوظائف والمهن الأخرى، تراجعت أعداد الذين يمتلكون خبرة الصعود. لم تختفِ المهنة، لكنها تحولت تدريجياً من مهارة منتشرة داخل العائلة الزراعية إلى سوق عمل أكثر تخصصاً، يتولى فيه الصعّادون خدمة نخيل لا يستطيع أصحاب البساتين الوصول إلى أعاليه.
ولفهم التحول الذي أصاب هذه المهنة، يكفي النظر إلى حال النخلة العراقية. فقد كان العراق يضم، بحسب بيانات تاريخية منسوبة إلى وزارة التخطيط، نحو 32 مليون نخلة عام 1952، وبقي واحداً من أبرز بلدان إنتاج التمور وتصديرها خلال العقود التالية.
لكن الحروب وتجريف البساتين والإهمال الزراعي والملوحة وشح المياه وهجرة الأيدي العاملة دفعت أعداد النخيل إلى تراجع حاد. وبين عامي 2008 و2010، كانت تقديرات وزارة الزراعة تشير إلى وجود نحو عشرة ملايين نخلة فقط. ومع التوسع اللاحق في الزراعة وإعادة تأهيل بعض البساتين، أعلنت الوزارة أن عدد أشجار النخيل تجاوز 22 مليوناً عام 2025، مع خطة للوصول إلى 30 مليون نخلة خلال السنوات المقبلة.
“أول ما بديت، جان الصعود صعب، وكل نخلة إلها طبعها. هسه من أشوف النخلة أعرف منين أبدي وشلون أطلع، وأعرف وين أحط التبلية ووين أثبت رجلي. الصعود صار عندي مثل المشي”- أحد صعّادي النخل المحترفين.
ومع كل نخلة تدخل مرحلة الإنتاج، تتجدد الحاجة إلى من يعرف كيف يصل إلى أعلاها. فالنخلة لا تحتاج إلى السقي وحده كي تعطي محصولها، إذ تبدأ خدمتها بالتوبير أو التأبير، ثم ترتيب العثوق وتعديلها، وصولاً إلى الجداد والتكريب. وتحتاج هذه الأعمال، ولا سيما في النخيل المرتفع، إلى يد تعرف طريقها نحو القمة.
لذلك، لم يؤد تراجع أعداد الفلاحين العاملين داخل البساتين إلى اختفاء هذه الأعمال، بل نقل جانباً منها من نطاق العائلة إلى سوق عمل متخصص يعرف أصحابه محلياً باسم «الصعّادين».

يبدأ عمل الصعّاد في وقت مبكر من الموسم. ففي شباط وآذار يحين موعد «التوبير»، أي تلقيح النخلة الأنثى بطلع الفحّال. ثم يأتي «التركيب» أو «التعديل» في أيار، وفيه تُسحب عثوق التمر وتدلّى إلى أسفل السعف، لحمايتها من الكسر وتسهيل جنيها. ومع حلول الصيف يبدأ «الجداد»، قبل أن تنتهي دورة العمل بالتكريب وتنظيف النخلة من السعف والكرب اليابس خلال الشتاء.
وبين هذه المواسم، تبقى أدوات الصعّاد محدودةً، لكنها أساسية. فالتبلية هي رفيقته الأولى في الصعود، وقد تغيرت صناعتها بمرور الوقت. فبعدما كانت تُصنع من ليف النخل، بما يحمله من خشونة وثقل، ظهرت أنواع مصنوعة من حبال النايلون المقوى والجلد، أصبحت أخف وأسهل في الاستخدام، مع احتفاظها بوظيفتها الأساسية.
أما المنجل، فما زال حاضراً كما كان، يستخدمه الصعّاد في التكريب وقطع السعف اليابس، وفي بعض الأعمال المتعلقة بخدمة العثوق.
يقول عدنان الحسوني، المعروف باسم «أبو أحمد»، وهو صاحب بستان في ريف واسط، إن الاستعانة بالصعّادين أصبحت أمراً ضرورياً بعد تغير شكل الحياة الزراعية: «زمان أول، جان عيب على الفلاح يجيب غريب يصعد نخلته… هسه الزمان تغير، لأن ابن الفلاح راح للوظيفة وأخوه توجّه للبلد، فننجبر نجيب صعّادين باليومية أو بالاتفاق على الحاصل».

ويقول أحد الصعّادين المحترفين، وهو يتهيأ للنزول: «أول ما بديت، جان الصعود صعب، وكل نخلة إلها طبعها. هسه من أشوف النخلة أعرف منين أبدي وشلون أطلع، وأعرف وين أحط التبلية ووين أثبت رجلي. الصعود صار عندي مثل المشي، بس لازم تبقى عينك مفتوحة، لأن فوگ ماكو مجال للغلط».
ولا تنتهي خطورة المهنة عند الارتفاع. فبين الكرب والسعف اليابس تختبئ أشواك النخلة، وقد تظهر الدبابير أو الأفاعي بين أجزائها. وفي الأعلى، يعتمد الصعّاد بصورة أساسية على خبرته وانتباهه وتماسك التبلية، إذ يمكن لحركة واحدة في غير موضعها أن تحول الصعود إلى سقوط.
يقول «أبو سيف»، وهو صعّاد مخضرم: «الصعّاد لازم يكون قلبه ميت وعينه ميزان. الغلطة فوگ النخلة بوقعة، والوقعة بموت أو شلل. مو كل واحد يكدر يصعد؛ لأن الصعود مو قوة بس، لازم تعرف النخلة وتعرف شلون تتصرف وياها».

وبحسب إفادات أصحاب البساتين والصعّادين في المنطقة، تتراوح أجرة صعود النخلة الواحدة للتكريب أو الجداد بين خمسة وعشرة آلاف دينار، تبعاً لطول النخلة وطبيعة العمل المطلوب.
قد يبدو المبلغ بسيطاً أو مرتفعاً من وجهة نظر صاحب البستان، لكنه بالنسبة إلى الصعّاد ليس أجراً عن الدقائق التي يقضيها في الأعلى فحسب، بل عن خبرة تراكمت عبر سنوات حتى أصبح الصعود، بكل ما ينطوي عليه من مخاطر، يبدو بهذه السهولة.
ولا تقتصر حركة الصعّادين على موسم الجداد في آب وأيلول، بل ترتبط بدورة خدمة النخلة على مدار العام. تبدأ بالتوبير في شباط وآذار، ثم التركيب أو التعديل في أيار، وتصل إلى الجداد خلال الصيف، قبل التكريب وتنظيف النخلة في الشتاء. وتتفاوت كثافة العمل بين موسم وآخر، لكنها لا تنقطع ما دامت البساتين بحاجة إلى الخدمة.
وهكذا بقيت مهنة الصعّاد مرتبطةً بدورة حياة النخلة نفسها. تغيرت المواد التي تصنع منها التبلية، وتراجع انتقال الخبرة داخل بعض العائلات، لكن الحاجة إلى من يعرف طريقه نحو الأعلى لم تختفِ. وبين جذع النخلة وسعفها، يواصل الصعّاد عمله مستنداً إلى تبليته ومنجله وخبرة لا تزال مطلوبةً ما دامت النخلة واقفةً.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



