قصص من الشارع

زهرة النيل.. مليارات لإزالتها، فهل يمكن تدويرها إلى أعلاف وسماد؟

01/09/2026

مرتضى الحدود- ذي قار 

في ساعات الصباح، يدفع الصياد أبو حسين زورقه الصغير إلى مياه نهر الفرات وسط مدينة الناصرية، كما اعتاد منذ سنوات، بحثاً عن مكان مناسب لنصب شباكه لكن الرحلة التي كانت تتيح له التجول لمسافات طويلة داخل النهر، باتت اليوم أقصر وأكثر تعقيداً، بعدما بدأت كتل كثيفة من “زهرة النيل” تتمدد فوق سطح المياه، فتترك للصياد ممرات ضيقة يبحث بينها عن منفذ.

يقول أبو حسين إن انتشار النبات لم يعد مجرد مشهد أخضر على سطح النهر، بل أصبح عائقاً أمام عمله اليومي، موضحاً “كنا ندخل بالزورق لمسافات أبعد وننصب شباكنا في أكثر من مكان، أما الآن فأصبحنا نبحث عن ممرات خالية من زهرة النيل، لأن مساحات كبيرة من النهر أصبحت مغطاة بها”.

انتشار زهرة النيل لم يعد مجرد مشهد أخضر

لا يقتصر تأثير النبات على صعوبة حركة الزوارق فتغطية سطح المياه تقلص المساحات المفتوحة أمام الصيادين، وتحد من قدرتهم على الوصول إلى مناطق الصيد، في وقت تتزايد فيه كثافة النبات في أجزاء من مجاري المياه.

ما يراه أبو حسين من داخل زورقه، تؤكده أرقام مديرية الموارد المائية في ذي قار فقد أعلنت المديرية رفع 502 ألفاً و725 متراً مربعاً من زهرة النيل من نهري الفرات والغراف، في إطار حملات تهدف إلى الحد من انتشار النبات وفتح مجاري المياه.

بحسب مدير الموارد المائية في ذي قار، هاشم الأسدي للمنصة “بلغت المساحات المرفوعة من نهر الفرات وحده 352 ألفاً و725 متراً مربعاً خلال الفترة من بداية العام وحتى 30 تموز، فيما بلغت الكمية المرفوعة من نهر الغراف 150 ألف متر مربع”.

“زهرة النيل من النباتات الدخيلة على البيئة العراقية، دخلت في فترات سابقة باعتبارها نباتاً للزينة قبل تتحول تدريجياً إلى نبات يصعب التحكم بانتشاره”.

وتعمل الجهات المختصة على نصب مصدات في عدد من المواقع للحد من انتقال النبات، من بينها نهر الفرات قرب جامعة ذي قار ومقدم ناظم الحفار في قضاء كرمة بني سعيد، ومناطق سوق الشيوخ والفهود، فضلاً عن مواقع على نهر الغراف شمال الرفاعي ومقدم مضخات شط الشطرة.

يقول الأسدي إن “الهدف من هذه الإجراءات هو الحد من انتشار زهرة النيل، وفك الاختناقات التي تسببها في الأنهار والجداول، وتحسين انسيابية المياه وضمان وصولها إلى المناطق المستفيدة، إلى جانب حماية التنوع الإحيائي في المسطحات المائية”.

وكان وزير الموارد المائية مثنى التميمي فد أعلن في تصريح صحفي عن “رصد 5 مليارات دينار لشركة العراق للقيام بإزالة هذه الزهرة ، وبدأنا فعلياً برفع هذه الزهرة من المواقع المشخصة وخلال الشهرين القادمين سيكون هناك إنجاز لهذا المشروع بالكامل”. وأشار إلى أن “كوادر وزارة الموارد المائية تعمل مع شركة العراق لإزالة هذه الزهرة عن نهري دجلة والفرات”.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا إذا كانت الدولة ترفع مئات آلاف الأمتار المربعة من النبات سنوياً، فهل تقتصر المعالجة على إزالته والتخلص منه، أم يمكن تحويل هذه الآفة المائية إلى مورد اقتصادي يستفيد منه السكان؟

 الخبير الزراعي الدكتور صالح هادي يرى “أن انتشار زهرة النيل يرتبط بصورة أساسية بارتفاع درجات الحرارة إذ تبدأ مراحل نموها بصورة ملحوظة مع ارتفاع درجات الحرارة اعتباراً من الشهر الثالث، ثم تتزايد كثافتها خلال الأشهر الحارة قبل أن يبدأ نموها بالتراجع مع انخفاض درجات الحرارة خلال أيلول وتشرين الأول وتشرين الثاني”.

وأشار هادي إلى أن زهرة النيل من النباتات الدخيلة على البيئة العراقية “إذ دخلت في فترات سابقة باعتبارها نباتاً للزينة بسبب أزهارها، قبل أن تجد طريقها إلى مجاري الأنهار وتتحول تدريجياً إلى نبات يصعب التحكم بانتشاره”.

رفع آلاف الأمتار المربعة من زهرة النيل في الناصرية

وتوفر درجات الحرارة المرتفعة والمياه السطحية بيئة ملائمة لنموها السريع، وهو ما يجعل أشهر الصيف مرحلة حرجة بالنسبة إلى الجهات التي تحاول السيطرة عليها.

المفارقة التي تجعل زهرة النيل مشكلة بيئية ومائية في آن واحد هي أنها تنمو فوق المياه لكنها تستهلك كميات كبيرة منها.

وبحسب الخبير الزراعي صالح هادي، فإن التقديرات تشير إلى أن النبات يمكن أن يستهلك ما بين 3 الى 6 لترات من المياه يومياً للنبتة الواحدة، مع اختلاف الاستهلاك بحسب مرحلة النمو والظروف البيئية.

ومع تحول النبات إلى كتل واسعة تغطي مساحات من الأنهار، تصبح القضية أبعد من كونها مشكلة نباتية إذ تتحول إلى جزء من أزمة إدارة المياه، خصوصاً في محافظة تعاني أصلاً من شح المياه وارتفاع درجات الحرارة والتبخر.

لا يتوقف الضرر عند كمية المياه المستهلكة فالكثافة العالية للنبات تعيق حركة المياه وتؤثر في انسيابها وقد تحد من وصول المياه إلى المناطق الواقعة في نهايات الجداول والأنهار، الأمر الذي يهدد المناطق الزراعية التي تعتمد على هذه المجاري.

التجارب والدراسات العراقية تظهر أن زهرة النيل يمكن اختبارها في إنتاج السماد وإدخالها ضمن علائق الحيوانات

فحين تغطي زهرة النيل سطح الماء بكثافة، فإنها تحد من وصول أشعة الشمس إلى الطبقات المائية، وهو ما يؤثر في البيئة التي تعيش فيها الأسماك والكائنات المائية.

ويشير هادي إلى أن النبات يمكن أن يؤثر في نوعية المياه ومستويات الأوكسجين فيها، الأمر الذي ينعكس على الأحياء المائية، ولا سيما الأسماك.

كما أن الكثافات الكبيرة للنبات يمكن أن توفر بيئة مناسبة لبعض الآفات والمسببات المرضية والزواحف، بما فيها الأفاعي، ما يجعل انتشارها مشكلة تتجاوز حدود المجرى المائي لتصل إلى السلامة البيئية والصحية للمناطق المحيطة به.

رفع آلاف الأمتار المربعة من زهرة النيل في الناصرية

وبذلك، فإن ما يبدو للعين مجرد “غطاء أخضر” قد يخفي تحته سلسلة من التأثيرات تبدأ باستهلاك المياه، وتمر بإعاقة الجريان وحجب الضوء، وتنتهي بتغيير الظروف البيئية التي تعتمد عليها الكائنات المائية.

وسط هذه الأضرار يطرح الخبير الزراعي صالح هادي زاوية مختلفة للتعامل مع زهرة النيل “بدلاً من اعتبارها نباتاً يجب التخلص منه فقط لماذا لا يجري استثمار الكميات التي تتم إزالتها”.

وفق هادي ان جمع النبات وإخضاعه لعمليات التجفيف تحت أشعة الشمس، ثم فرمه ومعالجته يمكن ان يستخدم في مجالات مختلفة ومنها إنتاج الأسمدة العضوية أو استخدامه ضمن الاعلاف للمواشي.

وهنا تتحول عملية المكافحة من عبء مالي على الجهات الحكومية إلى سلسلة اقتصادية تبدأ من النهر ولا تنتهي عند موقع الطمر أو التخلص من النبات.

فبدلاً من رفع مئات آلاف الأمتار المربعة من زهرة النيل ثم البحث عن وسيلة للتخلص منها، يمكن التفكير في سلسلة قيمة تبدأ بجمع النبات، وفرزه وتجفيفه، ثم تحويله إلى منتجات زراعية يمكن استخدامها بعد التأكد علمياً من سلامتها ومطابقتها للمواصفات.

واشار هادي انه تم استخدامه كسماد عضوي ضمن نشاط مشروع انتاج الاسمدة في قضاء الشطرة شمال الناصرية سنة 2009 اذ تم تجميعه من القنوات الاروائية وتصنيع سماد عضوي منه بكميات محدودة في احدى القرى.

اللافت أن زهرة النيل، التي تُستنزف أموال كبيرة لإزالتها من الأنهار، سبق أن تحولت في المختبرات العراقية إلى مادة قابلة للتدوير. ففي عام 2019، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي حصول فريق بحثي من الجامعة المستنصرية على براءة اختراع لإنتاج سماد عضوي نتروجيني-فوسفاتي من مزيج المخلفات الصلبة العضوية وعشبة زهرة النيل، في محاولة لتحويل النبات من عبء بيئي إلى مورد يمكن الاستفادة منه.

لم تكن التجربة نظرية فقط إذ استخدم الباحثون نباتات زهرة النيل التي جُمعت من نهر المشخاب، وأجروا تجارب مخبرية لتحديد أفضل ظروف التحلل البيولوجي للمزيج ووفق نتائج الاختبار التي أعلنتها الجامعة، حقق السماد المنتج نسبة إنبات بلغت 87.59%، مقارنة بـ79.64% للسماد التجاري المستخدم للمقارنة.

وتقوم فكرة براءة الاختراع على استثمار المخلفات العضوية الصلبة بعد جمعها وفرزها ودمجها مع زهرة النيل لإنتاج سماد عضوي يمكن استخدامه بديلاً عن الأسمدة الصناعية، بما قد يحقق فائدتين في آن واحد التقليل من المخلفات والاستفادة من نبات مائي يتسبب في أضرار بيئية واقتصادية للمسطحات المائية.

تضمنت التجربة جمع المخلفات العضوية الصلبة من الصرف الصحي وفرزها، ثم الحصول على زهرة النيل من نهر المشخاب، قبل إخضاع المكونات إلى منظومة مختبرية لاختبار ظروف التحلل البيولوجي والوصول إلى أفضل تركيبة لإنتاج السماد.

وكشفت رسالة ماجستير تمت مناقشتها في كلية علوم الهندسة الزراعية في جامعة بغداد سنة 2022 بعنوان “تأثير مستويات مختلفة من نبات زهرة النيل (Eichhornia crassipes)”، قدمها الباحث  أنور سعود عبد العزيز وبحثت إمكانية الاستفادة من نبات زهرة النيل المتنامي قرب الأنهار وضفافها في تغذية الحيوانات.

وتناولت الدراسة جمع زهرة النيل باستخدام حاصدة حديثة من سبعة مواقع مختبرية، بهدف تحديد أفضل العينات وإمكانية استخدامها في تغذية الحملان العواسية، ولا سيما كبديل عن دريس الجت المستخدم في تغذية الأغنام وهو نوع من انواع الاعلاف.

وخلص الباحث إلى إمكانية الاستفادة من زهرة النيل في تغذية الحملان العواسية، استناداً إلى نتائج العينات التي جرى جمعها من المواقع المختلفة، ما يفتح مجالاً للاستفادة من النبات الذي يمثل مشكلة بيئية في الأنهار وتحويله، بعد المعالجة والتأكد من سلامته، إلى مورد يمكن أن يدخل في قطاع الإنتاج الحيواني.

المهندس زهير شهيد يرى ايضا أن زهرة النيل تحولت إلى عبء مكلف على الدولة التي تنفق الاموال شهرياً لمكافحة انتشارها في حين أن هناك خيارات أخرى يمكن أن تسهم في الحد من هذه الآفة والاستفادة منها اقتصادياً في الوقت نفسه.

ويشير شهيد إلى إمكانية استخدام “سوسة زهرة النيل ” كوسيلة حيوية للمكافحة، وهي حشرة تتغذى على النبات وتنمو على زهرة النيل، وقد جرى استخدامها في عدد من الدول للحد من انتشارها، لافتاً إلى أن هذه الوسيلة يمكن أن تكون بديلاً أكثر استدامة من عمليات الإزالة المستمرة.

وتنتمي سوسة زهرة النيل هي من الخنافس لعائلة السوسيات وموطنهما الأصلي مناطق في أمريكا الجنوبية وتُعدّان من أنجح عوامل المكافحة الحيوية لزهرة النيل. وهي لا تقضي على النبات مباشرة، وإنما تضعف قدرته على النمو والتكاثر عبر عدة آليات وان اشهر نوعين هما Neochetina bruchi و Neochetina eichhorniae.

بتابع شهيد ان المكافحة الحيوية بهذه الطريقة بطيئة نسبياً، لأن أعداد السوس تحتاج إلى وقت حتى تتكاثر وتصل إلى كثافة مؤثرة. وتشير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أن السيطرة الملحوظة قد تحتاج إلى عدة سنوات، ففي تجربة على بحيرة فيكتوريا انخفضت الإصابة بنحو 60% بعد خمس سنوات من إطلاق سوس Neochetina، علماً أن ابرز الدول التي تنتشر فيها هي مصر والسودان وجنوب أفريقيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا والعديد من الدول الافريقية.

يضيف المهندس زهير شهيد أن هناك فرصة أخرى تتمثل في استثمار النبات الذي تتم إزالته بدلاً من التخلص منه من خلال تجفيفه وفرمه وخلطه مع مواد علفية أخرى مثل الشعير والجت بعد إجراء الفحوصات، بما يمكن أن يحوله من نبات يستهلك المياه ويعيق حركة الأنهار إلى مادة أولية تدخل في إنتاج أعلاف الحيوانات ومصدراً اقتصادياً محتملاً.

ويرى شهيد أن هذه المعالجات يمكن أن تجعل مكافحة زهرة النيل أكثر فاعلية وأقل كلفة، وتفتح في الوقت ذاته باباً للاستفادة الاقتصادية من كميات النبات التي تُرفع من الأنهار.

زهرة النيل تحولت إلى عبء مكلف على الدولة التي تنفق الاموال شهرياً لمكافحة انتشارها في حين أن هناك خيارات أخرى يمكن أن تسهم في الحد من هذه الآفة- المهندس زهير شهيد

وتضع مديرية الموارد المائية في ذي قار اليوم مصدات في عدد من المواقع للحد من انتقال زهرة النيل بين أجزاء الأنهار، وتنفذ حملات لرفعها من سطح المياه لكن استمرار ظهور النبات وتجدده مع ارتفاع درجات الحرارة يعني أن المعالجة لا يمكن أن تعتمد على الإزالة وحدها.

ويؤكد الخبير الزراعي الدكتور صالح هادي أن الإزالة اليدوية أو الميكانيكية تعد من أكثر طرق المكافحة فائدة، خصوصاً عندما تكون الكتل النباتية كبيرة، مع إمكانية الاستفادة من النباتات التي جرى جمعها بدلاً من التخلص منها.

أما المبيدات، فرغم وجود مواد فعالة للمكافحة إلا أن استخدامها في البيئات المائية يحتاج إلى ضوابط صارمة، بسبب احتمال تأثيرها في الأسماك والكائنات المائية ونوعية المياه، فضلاً عن ضرورة توفرها واعتمادها رسمياً. لذلك تبدو المعالجة الأكثر واقعية مزيجاً من الرصد المبكر، والإزالة الميكانيكية، ومنع انتقال النبات، ومعالجة أسباب انتشاره، ثم استثمار الكتلة النباتية المرفوعة.

يعود أبو حسين في نهاية يومه إلى ضفة الفرات بعد رحلة أقصر مما اعتاد عليه بالنسبة إليه، زهرة النيل ليست قضية بيئية مجردة، بل نبات يحدد أين يستطيع أن يبحر وأين ينصب شباكه. لكن خلف زورقه الصغير توجد أرقام أكبر وهذه الأرقام لا تعني فقط حجم ما أزيل، بل تكشف أيضاً حجم المشكلة التي يتعين التعامل معها.

التجارب والدراسات العراقية تظهر أن زهرة النيل يمكن اختبارها في إنتاج السماد وإدخالها ضمن علائق الحيوانات، لكن تحويل هذه الإمكانية إلى مشروع اقتصادي مستدام ما زال يحتاج إلى اختبارات سلامة وحسابات كلفة وعائد، وإلى قرار حكومي يربط بين عمليات الإزالة وإعادة التدوير.

فإذا كانت الدولة ستدفع لإزالة زهرة النيل على أي حال، فلماذا لا تبدأ دراسة إمكانية تحويل كلفة مكافحتها إلى جزء من سلسلة إنتاجية تعود بالنفع على الزراعة والثروة الحيوانية؟

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali