علاء كولي – ذي قار
بين ضجيج اللاعبين والمتدربين وصوت الآلات الرياضية التي يستخدمونها وسط مركز لكمال الأجسام واللياقة البدنية في مدينة الشطرة (شمال الناصرية)، يجلس غزوان رياض (33 عاماً) بهدوء على إحدى الآلات ثم يمد يديه لإكمال أحد تمارينه الكثيرة، حيث يحرص على إكمال برنامجه التدريبي اليومي بلا نقص.
ينتقل بصمت ما بين جهاز وآخر، ثم يباشر ببعض التمارين وعادةً ما يضع سماعة هاتف في أذنيه ليسمع بعض الموسيقى التي تحفزه في التمارين، وعلى هذا البرنامج من التدريبات المستمرة منذ العام 2019 ولحد اليوم، لم ينقطع ولم يتوقف، وعلى أثرها استطاع أن يحقق نتائج كبيرة وبطولات واحدة تلو الأخرى.

يستعد غزوان اليوم للمشاركة في بطولة العالم بكمال الأجسام في إسبانيا، والتي ستقام في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، كذلك المشاركة في بطولة آسيا التي تقام في تايلند في نفس الشهر، حيث تم اختيار غزوان مع عدد من لاعبي كمال الأجسام ليمثلوا المنتخب العراقي الذي سيشارك في هاتين البطولتين وهي ما تسمى ببطولة مستر “يونيفرس”.
البداية…ميداليات ومراكز أولى
الشغف بكمال الأجسام كان منذ البداية مع غزوان، حيث كان يرتاد قاعات كمال الأجسام منذ التسعينيات، كان يرافق والده وهو طفل ويشاهده كيف يحمل الأثقال ويشارك في البطولات وينتقل من مكان لآخر، وحينما كبر، اكتشف أن جسمه مؤهل ليكون لاعباً، حينها بدأ في العام 2008 كبداية جديدة له، لكنه ترك كل شيء وانشغل بالعائلة، ثم تزوج وظل يعمل في السوق، ثم ترك الدراسة بسبب الوضع المعيشي الذي مر به، لكنه ظل يحلم وينظر إلى حلمه كل يوم.

عاد غزوان في العام 2019 إلى التدريبات والتمارين، وفي نفس العام حصل على المركز الأول في البطولة التي أقيمت في ذي قار بمشاركة أكثر من 15 لاعباً، ثم أحرز المركز الأول في بطولة المحافظة للسنة الثانية على التوالي، بعدها شارك في بطولة العراق التي أقيمت في بغداد عام 2020 وأحرز المركز الثالث، وفي البطولة الأخرى التي أقيمت في بغداد أيضاً أحرز المركز الأول.
يقول غزوان خلال حديثه لـ”المنصة” إنه “شارك أيضاً في بطولة يونيفيرس أو سيد الكون كما تسمى في مدينة السليمانية، وهذه البطولة تمنح شهادة دولية في كمال الأجسام، حيث شاركت فيها بوزن (65 كغم) وحققت المركز الرابع، كما شاركت بنفس اسم البطولة في البصرة عام 2022 وأحرزت المركز الرابع بمشاركة العشرات من اللاعبين”.
“كمال الأجسام رياضة مهمة بحاجة إلى شخص متفرغ وبوضع مادي فوق الممتاز لأنها تحتاج إلى غذاء وعناية خاصة وإلى بيئة اجتماعية وبيئة رياضية مناسبة، لكن هذه كلها غير متوفرة للكابتن غزوان”
شاركت في بطولة العراق الكبرى، كما يوضح غزوان، وهي من أقوى البطولات في الشرق الأوسط بمشاركة دولية وعربية، وعلى أساسها يؤخذ أصحاب المراكز الأولى لتمثيل المنتخب الوطني لكمال الأجسام، وعلى ضوء البطولة يتأهل لبطولة العالم وبطولة آسيا.
أحرزت المركز الأول كما يؤكد غزوان بوزن 65 كغم بشهادة الحكام والجمهور، وكانت البطولة قوية جداً حيث شارك فيها أكثر من 700 لاعب، وعلى هذا الأساس تأهلت إلى المنتخب الوطني الذي سأشارك من خلاله في بطولة العالم التي ستقام في إسبانيا خلال شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وأيضاً في نفس الشهر المشاركة في بطولة آسيا التي تقام في تايلند.
وعلى الرغم من الإنجازات التي حققها غزوان في وقت قياسي وصعود اسمه كلاعب محترف في المنتخب الوطني، لكن الحسرة والحيرة تملأ وجهه، فهو لم يتلق أي دعم ولم يحظ بأي تكريم ولم يحصل على أي حقوق بكونه لاعباً متميزاً أحرز بطولة دولية، لكنه يصر على المشاركة رغم العوائق المادية، فهو في حياته الاعتيادية مجرد عامل في مقهى يعيش حياة كادحة.
حياة قاحلة
على الرغم من كل وسائل التواصل والميديا التي تشغل الشباب، لكن غزوان اختار طريقاً آخر في حياته، طريقاً يبدو أكثر قسوة وأكثر إرهاقاً ومشقة، إلا أنه يعتبر كل ذلك مجرد تمرين وتدريب له، فهو ينام مبكراً ويصحو حوالي الساعة الرابعة فجراً من كل يوم حيث يذهب إلى العمل.
يعمل غزوان بمقهى شعبي في مدينته، حيث يبدأ صباحه هناك وينتهي حوالي الساعة الثالثة عصراً بأجر بسيط يصل إلى (6 دولارات) (10 آلاف دينار عراقي)، ثم في المساء ينتقل إلى جولة من التدريبات والتمارين للحفاظ على لياقته أو المشاركة في أي بطولة لكمال الأجسام، ثم يعود لبيته باكراً.
كل هذه التدريبات بحسب غزوان تحتاج إلى تفاصيل مادية كبيرة تتعلق بغذاء اللاعب والسفر والمشاركة في البطولات، وهذه البطولات لا تمنح تخصيصات مالية للاعبين، وهو غير قادر على توفيرها، فهو يعيش في بيت مستأجر مع زوجته وابنتين، إلى جانب عائلته التي تتكون من 10 أفراد، وعليه العمل بلا توقف لتوفير لقمة العيش والمشاركة في إيجار البيت مع إخوته الذين يعملون في المقاهي والسوق، وهذا السبب نفسه الذي جعله يترك المدرسة ويعمل بشكل مستمر.
تأهل إلى العالمية
استطاع غزوان أن يحقق المركز الأول في بطولة العراق الكبرى التي أقيمت في محافظة كركوك في شهر آب/ سبتمبر الماضي بمشاركة أكثر من 700 لاعب، وهذه البطولة تعتبر أكبر البطولات في العراق والوطن العربي بحسب رئيس الاتحاد الوطني لبناء الأجسام واللياقة البدنية فائز عبد الحسين.

منذ إحرازه لقب بطولة العراق التي أقيمت في كركوك ضمن فئة (البدي بلدنك) قبل شهرين، انضم إلى قائمة لاعبي المنتخب الوطني التي سيشارك فيها ببطولة العالم الكبرى التي ستقام في إسبانيا في تشرين الثاني/ نوفمبر2026، والمشاركة أيضاً في بطولة آسيا في تايلند التي ستقام في نفس الشهر.
ومع انضمامه للمعسكر التدريبي الذي يقيمه المنتخب الوطني، يسافر غزوان كل أسبوع إلى العاصمة بغداد ليلتحق هناك مع الكادر التدريبي للاستعداد للمشاركة في البطولات العالمية، لكنه يواجه صعوبات وتحديات كبيرة تتعلق ما بين الاستمرار بمصدر رزقه وعمله والتوفيق بين عائلته وأهله والسفر المكلف مادياً، الذي يرهقه مع اقتراب موعد البطولة، لكنه يرى أن حلمه أكبر من كل هذه المعوقات، فهو لا يزال يواصل تدريباته بشكل مكثف.
إحباط وتحدي
يواجه غزوان إحباطاً فيما يخص الدعم الذي كان يأمل أن يتلقاه في إنجازه الأخير ببطولة كركوك، فهو لم يجد تكريماً من الحكومة المحلية أو الاتحاد الفرعي أو الأندية التخصصية الأخرى، حتى الأندية التي تعتمد بالدرجة الأساس على كرة القدم كان من المفترض أن يكون لديها ألعاب فردية أو يكون لديها مبادرة للتحفيز على هذه الألعاب، لكن ليس لديها هذا الاهتمام.
الظروف التي يمر بها اللاعب غزوان كما يقول وسام نسيم وهو لاعب كمال أجسام وأحد أبطال العراق المعروفين بكمال الأجسام، هي ظروف جبارة واستثنائية لا يمكن أن تمر إلا على الأبطال، فهو يمتلك طموحاً وإرادة كبيرة لأن يصل إلى هذا المستوى.

كمال الأجسام بحسب حديث نسيم لـ”المنصة” رياضة مهمة بحاجة إلى شخص متفرغ وإلى وضع مادي فوق الممتاز، لأنها تحتاج إلى غذاء وعناية خاصة وإلى بيئة اجتماعية وبيئة رياضية مناسبة، لكن هذه كلها غير متوفرة للكابتن غزوان، وبالتالي ما أحرزه من بطولات يعتبر إنجازاً، ومثل هذا الظرف لا نحتاج إلى قوة العضلات بل إلى قوة العقل لإدارة هذا الطموح والإصرار.
يؤكد نسيم وهو يدير مركزاً متخصصاً بكمال الأجسام واللياقة البدنية ومعروف عن إعداده الكثير من اللاعبين الذين شاركوا في بطولات عراقية وعالمية أنه لم يمر عليه لاعب ومقاتل مثل غزوان بهذه الظروف وبهذا العمر، فهو يصحو في ساعات الفجر الأولى من أجل عمله بمقهى وطيلة اليوم يتحمل كل الظروف الاجتماعية التي يراها في العمل، ثم يعود في المساء للتدريب بهمة وحافز عالٍ، رغم أن لاعب كمال الأجسام يحتاج شهرياً من 500 إلى 800 ألف دينار عراقي تتضمن أكلات خاصة وبروتينات ومكملات غذائية من أجل بناء جسم اللاعب.

هناك ظروف مؤهلة للكثير من اللاعبين كما يوضح نسيم ويحظون بدعم عائلي واجتماعي ودعم مالي واستقرار اجتماعي لكنهم لم يصلوا إلى ربع ما وصل إليه غزوان في كل هذه الظروف التي انطلق بها ليحقق هذه البطولات والإنجازات، فهو لاعب مجتهد واعتمد على نفسه في الوصول إلى هذا المستوى.
غزوان ليس البطل الوحيد عن محافظة ذي قار في بطولة كمال الأجسام، بل هناك لاعبون حققوا أرقاماً ومراكز متقدمة في بطولات دولية ومحلية خلال السنوات القليلة الماضية، حيث تنامت رياضة كمال الأجسام لتصبح رياضة مهمة ولها جمهور ومتابعون ومهتمون بهذا المجال، على الرغم من أنها بدأت بذي قار نهاية الستينيات من القرن الماضي.
معضلة الألعاب الفردية
الرياضة والألعاب الفردية مظلومة كما يعبر عنها رئيس الاتحاد الفرعي لكمال الأجسام واللياقة البدنية بذي قار وسام محمد ياسر، مؤكداً أن التوجه المجتمعي والحكومي يميل للألعاب الجماعية بشكل عام، لكن في السنوات الأخيرة وبجهد كبير قدمه رئيس الاتحاد الوطني لهذه الرياضة أخذ يأخذ منحى إيجابياً بما يخص لعبة كمال الأجسام.
يضيف ياسر خلال حديثه لـ”المنصة” أن الإمكانيات ضعيفة جداً ومحدودة، وفي الوقت الحالي كاتحاد ليس لديه دعم، وما نحصل عليه من دعم يكون عبر الاشتراكات الرمزية التي بالكاد تسد البطولات التي نقيمها، وندفع من جيوبنا من أجل إنجاح البطولات في المحافظة، وهي ناجحة وجيدة وصداها وصل على مستوى العراق.

لدينا لاعبون بمستوى ممتاز ولدينا قائمة طويلة من الأبطال بحسب ياسر، وربما غزوان هو واحد من أرقى وأفضل اللاعبين على مستوى المحافظة والعراق، وهو خامة جيدة حيث فاز في كركوك بالمركز الأول بوزن 65 كغم، وهو الآن مع المنتخب الوطني وسيمثل العراق في بطولة العالم، وهذا إنجاز مهم للمحافظة وفق إمكانياتنا البسيطة.
هناك تحركات في المحافظة من أجل تطوير هذه الرياضة كما يوضح ياسر، حيث هناك خطوات لتوعية الناس بشأن ثقافة هذه اللعبة على مستوى الأقضية والنواحي، حيث أقمنا مؤتمرات وندوات، واليوم نحن نعمل بجهد جماعي بقيادة الاتحاد، في كل عام نقيم 3 بطولات على مستوى المحافظة، لكن هذا العام اقتصرنا على بطولتين، والشهر المقبل أو نهاية العام الجاري ستكون البطولة الثانية.
وبين ضجيج الزبائن في المقهى كل يوم وصوت الآلات الرياضية التي يتدرب عليها في مركز كمال الأجسام، يقف غزوان في المنتصف، هناك حيث يسعى لتحقيق هدفه قبل كل شيء، ويستعد للمنافسة في بطولة العالم بكمال الأجسام التي ستقام في إسبانيا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2026.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



