مناخ

هياكل صدئة ومطاعم متهالكة.. متى تتخلص ضفاف البصرة من خردتها المنسية؟

22/10/2026

 البصرة- نغم مكي

بينما تتباهى مدينة البصرة، العاصمة الاقتصادية للعراق والواقعة في أقصى جنوبه، بخططها المستمرة لتطوير واجهتها المائية، تتحول الهياكل الحديدية للمطاعم العائمة المهجورة الراسية على ضفاف شط العرب، إلى مصدر قلق بيئي وملاحي للأهالي، فضلاً عن تشويهها المشهد البصري.

عند رصيف الكورنيش في منطقة العشار، يقف الحاج السبعيني أبو كرار، بعدما قطع مسافة قصيرة على دراجته من بيته في منطقة مناوي باشا القريبة من الكورنيش. يتأمل النهر بحسرة، ويلتقط طُعم الروبيان من علبة صغيرة إلى جانبه، يضعه في صنارته ثم يرميها في الشط. ينتظر برهة في سكون لا يقطعه سوى صوت الأمواج، قبل أن يقول وهو يتنفس الصعداء: “أجي هنا أونس نفسي وأرفه عنها، الشط أحسن لي من زحمة السوق، بس المنظر صار يضوج”.

الهياكل العائمة باتت مصدر قليل بيئي للأهالي

يتحدث بنبرة يملؤها العتب على تبدل حال الكورنيش، الذي يراه اليوم أشبه بالبيت المهمل، مستذكراً أيام زمان: “الكورنيش قبل كان أحلى، الخضرة والشجر موجودة والترتيب على حسب الأصول، والناس تگعد بمكان نظيف، هسه الشط صار صحراء بلا خضرة”.

ويلتفت أبو كرار نحو كتل الحديد الصدئة للمطاعم المهجورة قائلاً: “هاي الأشياء كلها عائقات لشط العرب وسادة وجه الشط، والمطاعم ترمي زبالتها بالماي، مو حرام؟”. ويضيف متسائلاً: “السياح يجون يشوفون مناظر طبيعية وزهور ونافورات لو يشوفون حديد وسكراب؟”.

ويقارن أبو كرار حال كورنيش البصرة بما يراه في دول أخرى، مشيراً إلى أن واجهات المدن المائية في تركيا تبقى نظيفة ومرتبة، وخالية من السفن الغارقة والمطاعم المهجورة، ويرى أن على العراقيين أن يتعلموا من تجارب الدول الأخرى في التعامل مع واجهاتهم المائية.

وعلى بعد أمتار قليلة من أبو كرار، لا يختلف المشهد كثيراً. تحت الهيكل الحديدي المتصدع والمتهالك لمطعم “عروس البصرة”، المتروك على ضفاف النهر، يقف الشاب العشريني رضا محمد عبد الرضا ممسكاً بصنارته الحمراء، ومعبراً عن الاستياء ذاته.

يقف رضا تحت سقف المطعم الذي أكله الصدأ، وقد تدلى منه حبل قديم وسلسلة صدئة، بينما تستند صفائحه المعدنية المتآكلة إلى أعمدة حديدية متقشرة، تظهر في بعضها ثقوب. وعلى الأرضية من حوله، تناثرت قوارير البلاستيك وعلب المشروبات وبقايا الكرتون والأكياس والنفايات، وتكدس بعضها قرب حافة الماء. ومع ذلك، يبقى في مكانه ويرمي صنارته نحو النهر، فهذا الظل هو الملاذ الوحيد الذي وجده ليحتمي به من الشمس.

صيد السمك بالقرب من الخردة

ويقول رضا إن منظر هذا الحديد المتروك هو أكثر ما يضايقه حين يأتي للصيد أو لاستنشاق الهواء، موضحاً أن الشط بات أشبه بالخرابة بسبب المطاعم المتروكة وقطع الحديد المبعثرة. ويضيف: “شنسوي ما عندنا غير مكان، كل ما تدك الشمس نتجه هنا”.

“أي هيكل متهالك أو سفينة غارقة أو ركائز مهجورة تعترض المجرى المائي في شط العرب تدرج رسمياً ضمن الموانع الملاحية، لأنها تشكل خطراً مباشراً على سلامة الإبحار.”- غسان حماده علي، رئيس اتحاد البحريين العراقيين.

ويحذر رضا من تحول هذه العوامات المتروكة إلى أماكن تتجمع فيها المشكلات والنفايات، ويرى أن الأماكن المهجورة قد تستقطب تجمعات مشبوهة وتسيء إلى سمعة المنطقة. لكنه لا يعفي المواطن من المسؤولية، إذ يؤكد أن عمال النظافة والبلدية يؤدون عملهم يومياً، فيما يرمي بعض المواطنين الطعام والنفايات في المكان.

الأهالي يطالبون بأن ترفعها الرافعات وتنقلها إلى معامل الحديد والصلب للاستفادة منها

ويوجه رضا رسالة إلى المسؤولين، يربط فيها بين توفير أماكن الترفيه وحماية الشباب، ويرى أن الأمر يحتاج إلى مزيد من التنظيم، وأن على الحكومة الالتفات إلى هذه الخردة المتروكة، إذ قد يدفع غياب الأماكن النظيفة بعض الشباب إلى البحث عن بدائل غير آمنة.

ويعود أبو كرار إلى الحديث، ولا يخفي سخطه من حال هذه الهياكل. يصفق بيديه بحدة، ثم يقول بنبرة يختلط فيها الغضب بالأسى إن مأساة وقعت بسبب هذه الخردة، بعدما تآكلت حبال تثبيت أحد المطاعم المتروكة مع مرور الزمن وانقطعت، فانفلت في النهر حتى اصطدم بسفينة أخرى غرقت في منتصف المجرى، وما زالت، بحسب قوله، العلامة الحمراء شاهدة على ذلك الحادث.

ويشرح أن هذه البانطونات كانت تسمى قديماً “الطابونات والبويات”، حين كانت البواخر ترسو وتُربط عليها، ويرى أن مصيرها الطبيعي اليوم أن ترفعها الرافعات وتنقلها إلى معامل الحديد والصلب للاستفادة منها، بدلاً من تركها تهدد النهر.

الحكومة المحلية لا تمتلك آلية فنية مخصصة لاحتساب مقدار الضرر البيئي

 

“منظر هذا الحديد المتروك هو أكثر ما يضايقني حين آتي للصيد أو لاستنشاق الهواء. الشط بات أشبه بالخرابة بسبب المطاعم المتروكة وقطع الحديد المبعثرة.”- رضا محمد عبد الرضا

ولم تبقَ المشكلة في حدود شكاوى المواطنين، إذ وصلت قضية بعض هذه البانطونات إلى القضاء في المحافظة.

وتكشف معاون رئيس جيولوجيين ومسؤول شعبة المياه في بيئة البصرة، شذى عبد الحسن شنيشل، عن تحرك رسمي قادته المديرية بناء على شكاوى وردت من المواطنين عبر شعبة شؤون المواطنين بشأن بانطونات كانت تستخدم سابقاً كمطاعم. وتوضح أن شعبة المياه شكلت فريقاً فنياً أجرى كشفاً ميدانياً وسحب نماذج من المياه المحيطة بتلك المواقع، مشيرة إلى أن النتائج لم تُظهر وجود تسرب للزيوت في الوقت الحالي.

وتقر شنيشل، في الوقت نفسه، بأن المديرية لا تمتلك آلية فنية مخصصة لاحتساب مقدار الضرر البيئي الذي تسببه هذه الهياكل بدقة. وتضيف أن الفريق الفني أوصى في تقريره بإزالة البانطونات فوراً كإجراء احترازي، مؤكدة أن القضية معروضة حالياً أمام القضاء لإلزام أصحابها بالإزالة.

كانت في السابق مطاعم.. والآن صارت مصدراً للتلوث

وتشير إلى أن القانون البيئي يمنح الجهات المعنية صلاحية إلزام أصحاب المنشآت المسببة للضرر بإزالته، وأن هناك غرامات ودعاوى عدة بحق الأنشطة المخالفة، أبرزها الدعاوى المقامة حالياً ضد بانطون “عروس البصرة” الراسي في العشار وبانطون “حمدان” جنوبي المدينة، لإجبار مالكيهما على رفعهما من مجرى النهر.

وحاولت “المنصة” الوصول إلى الجهات المستثمرة أو المالكين الفعليين للبانطونين للحصول على تعليقهم بشأن الإجراءات القانونية المتخذة، إلا أن ذلك لم يكن ممكناً، إذ أُغلقت الشركات المسؤولة عنهما، ولا توجد قنوات اتصال رسمية أو ممثلون قانونيون لهما في مواقع العمل المهجورة منذ سنوات.

ومن الناحية الملاحية، يؤكد رئيس اتحاد البحريين العراقيين، غسان حماده علي، أن “أي هيكل متهالك أو سفينة غارقة أو ركائز مهجورة تعترض المجرى المائي في شط العرب تدرج رسمياً ضمن الموانع الملاحية، لأنها تشكل خطراً مباشراً على سلامة الإبحار”. ويضيف أن هذه الكتل المهملة تسببت بالفعل في حوادث اصطدام لقطع بحرية وزوارق صيادين، خاصة أثناء المد والجزر أو تدني الرؤية، وهو ما يتقاطع مع شهادات المواطنين.

وعن الحلول الميدانية، يشير علي إلى أن الشركة العامة لموانئ العراق تنفذ خططاً سنوية لتطهير المجرى المائي عبر قسم الإنقاذ البحري، وأن أعداد الغوارق تخضع لتحديث مستمر مع تواصل عمليات الانتشال.

ووفق بيانات رسمية، أنجزت فرق الغوص والإنقاذ البحري التابعة للموانئ أكثر من 15 ألف مهمة غوص لاستخراج الغوارق والمخلفات وتطهير الممرات الملاحية في شط العرب. وتتركز العمليات الحالية على رفع قطع بحرية ضخمة، إذ انتشلت الموانئ مؤخراً جنائب وقطعاً غارقة يتجاوز وزن بعضها ألف طن للقطعة الواحدة بواسطة الرافعة العملاقة “أبا ذر”. أما القطع المتبقية فتتركز في قنوات الملاحة الرئيسية ومنطقة كورنيش العشار وقضاء الفاو، تمهيداً لنقلها إلى المعقل.

ويضيف الخبير البيئي في تقييم وإدارة المخزون السمكي بمركز علوم البحار، عدي محمد قاسم، بعداً بيئياً للمشكلة. ويؤكد، استناداً إلى أبحاثه الخاصة بالغوارق، أن الهياكل الحديدية المغمورة والمتروكة تتعرض لتآكل مستمر قد يطلق مواد ضارة، بينها مركبات ثلاثي بوتيل القصدير (TBT)، التي استخدمت في طلاء السفن والعوامات لمنع التصاق الأحياء البحرية بها، مثل الحشف. ويوضح أن تآكل هذه الطلاءات يمكن أن يطلق إلى المياه مركبات سامة ومعادن ثقيلة وهيدروكربونات، تؤثر في الخصائص الفيزيائية والكيميائية للمياه وتضر بالأحياء المائية.

أي هيكل متهالك أو سفينة غارقة في شط العرب تدرج رسمياً ضمن الموانع الملاحية

كما يبين قاسم أن هذه القطع تعمل كحواجز اصطناعية تعيق حركة التيارات المائية ودورة المد والجزر، وأن المشكلة تتفاقم مع ضعف عمليات الكري وغسل الرواسب، في ظل النقص الحاد في تصاريف شط العرب، ما يحد من التخلص السريع من الملوثات ويسرع تراكمها في الرواسب القاعية، متسبباً بأضرار طويلة الأمد.

أمام هذه المخاطر البيئية والملاحية، يتيح القانون العراقي للجهات المختصة التدخل لإزالة الهياكل المخالفة. فقانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009 يتيح، في المادة 33/أولاً، للوزير أو من يخوله إنذار أي جهة ملوثة بإزالة العامل المؤثر خلال عشرة أيام، وفي حال عدم الامتثال، إيقاف العمل أو الغلق المؤقت.

ولا يقتصر الأمر على التشريعات البيئية، فقانون استغلال الشواطئ رقم 59 لسنة 1987، المعدل بالقانون رقم 7 لسنة 1990، يخول الجهات الحكومية، بموجب المادة 4/ثانياً، إزالة المنشآت المخالفة على نفقة أصحابها ومن دون تعويض، إذا تبين أنها تعرقل مجرى النهر أو تلوثه.

ومع حلول المساء، يغادر أبو كرار شط العرب تاركاً خلفه الخردة الصدئة تتلاطم حولها الأمواج. أما رضا، فيلقي نظرة أخيرة على كومة النفايات المتجمعة في المطعم العائم، ويتنهد متمنياً أن تختفي هذه الخردة والنفايات من النهر في المرة القادمة.

يرحل الاثنان، وتبقى الهياكل الصدئة في عتمة الكورنيش، فيما يظل السؤال قائماً: هل تنتهي الإجراءات القضائية بإزالة هذه البانطونات، أم تبقى عالقة على ضفاف شط العرب؟

 

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali