رأي

من ذاكرة الاحتلال.. صوت الراديو وأحلام البكالوريا في مدينة تحترق

12/04/2026

البصرة- نغم مكي

كان صوت الراديو يتجاوز جدران غرفة أبي، رحمه الله، ليملأ البيت كله. كنت أراه يمسك الجهاز بكلتا يديه، كمن يتمسك بآخر خيط يربطه بالعالم الخارجي، فيما أقف قريبة من الباب، يرتجف قلبي على وقع نشرات الأخبار وأصوات الغارات الجوية المتناوبة.

لم يكن بيتنا يتسع لنا جميعاً في تلك الأيام. جعلتنا الحرب نتكدس في صالة الاستقبال، الكبار والصغار في مكان واحد. كان رأي أبي أن الموت تحت سقف واحد أهون من الأمان المتفرق، وكنا نصمت أمام حجته، لا اقتناعاً بالضرورة، بل لأن الخوف يجعل المنطق يبدو ترفاً.

كان عمري خمسة عشر عاماً حين علّقت الحرب الدراسة. في البداية، بدا في الأمر شيء يشبه الارتياح: ارتياح من الامتحانات، ومن تهديدات المديرة في طابور الصباح بأن الجميع سيرسب في البكالوريا. كانت تلك الكلمات تتردد في ساحة مدرسة الثورة العربية في البصرة، المدرسة التي تغيّر اسمها لاحقاً إلى السيدة حميدة المصفاة بعد الحرب، كما تغيّرت أسماء كثير من المدارس في أنحاء العراق عقب سقوط النظام في عام 2003.

لكن ذلك الارتياح لم يدم طويلاً.

كان المذيع يبدأ بنقل الأخبار عن انسحاب الجنود العراقيين من بعض جبهات القتال، ويعدد أرقام الجرحى والقتلى، ويتحدث عن منازل طالتها الصواريخ ومدارس لم تعد قائمة. كان الرعب يتسلل إلى صدري ببطء. في الحروب، الجميع ضحايا، ولا أحد يسأل أحداً إن كان يريد أن يكون ضحية.

ومع ذلك، كان الاشتياق يأتي أحياناً. اشتياق غريب إلى مقاعد الدراسة، إلى الكتب، إلى البكالوريا، وحتى إلى تلك التهديدات اليومية. كانت حكايات الحروب القديمة تقول إن الدراسة لم تتوقف تماماً في الأزمنة السابقة، وإن بعضهم واصلها حتى وإن انقطع لأشهر، وكان في ذلك ما يشبه الأمل.

بعد عام 2003، عادت المدارس واستؤنفت الدراسة في الربيع، في شهر أيار/مايو، لإكمال ما تبقى من المنهج. لم يتغير الكثير في المواد الدراسية حينها، باستثناء حذف مادة الوطنية مباشرة، رغم سقوط حزب البعث وتغيير مديرة المدرسة بأخرى. ثم أُجريت امتحانات البكالوريا في حزيران/يونيو. لكن المشهد الذي عدنا إليه لم يكن هو ذاته الذي غادرناه. كان هناك شيء تغيّر في الهواء، وتغيّر معه كثير من الوجوه والملابس والنظرات.

أول ما لفت انتباهي حين عدنا إلى المدرسة كان الحجاب. فتيات كثيرات ارتدينه فجأة، لا عن قناعة راسخة بالضرورة في تلك اللحظة، بل عن خوف. صار الحجاب درعاً في مواجهة المجهول، وطريقة للاختباء في الشارع، وللمرور من دون أن تُلفتي نظراً أو تستدعي متاعب. حتى المدرسات اللواتي اعتدنا رؤيتهن منسدلات الشعر أو بملابس ضيقة وقصيرة، جئن في الأسابيع الأولى بعد السقوط وقد غيّرن هيئتهن كلياً. لم نسألهن، فهذا لم يكن حقاً متاحاً لنا، وهن أيضاً لم يشرحن. الخوف لا يحتاج إلى تفسير حين يكون الجميع يشعرون به.

كنا نشاهد دبابات الاحتلال البريطاني تطوف شوارع البصرة ونحن في طريقنا إلى المدرسة، وهو مشهد لم نكن مهيآت له، ولا لضخامته. كنا نرتبك حين نراها تقترب، لا نعرف أين ننظر ولا كيف نمشي، فنتباطأ أو نتسارع من دون أن نعي لماذا.

كان الجنود يقفون قربها بأسلحتهم ونظاراتهم الداكنة، وكانت الشائعات تقول إن تلك النظارات تستطيع أن ترى من خلال الملابس. لا أحد يعلم إن كان ذلك صحيحاً، لكن الشائعة وحدها كانت كافية لأن تضاعف الخوف فوق الخوف. كنا نحني رؤوسنا ونمضي، وكأن النظر إليهم جريمة، وكأن المشي بثقة تهمة.

في زقاقنا، في أحد شوارع 14 تموز، وجدت ذات صباح دبابة بريطانية تسد أول الشارع. توقفت. لم أعرف إن كنت سأكمل المشي أم أعود. كان الجنود واقفين حولها بوجوه لا أقرأ فيها شيئاً. لم يحدث شيء، لكن ذلك اليوم بقي في ذاكرتي أكثر من كثير من أيام القصف. فالصاروخ يأتي ويذهب، أما الخوف الصامت الذي يسكن الشارع، ذلك النوع من الخوف الذي لا صوت له ولا موعد، فهو الأقسى. كانت حرباً نفسية أشد وطأة من الغارات المدوية.

في هذا الوضع، لم يعد الذهاب إلى المدرسة قراراً بسيطاً، بل قراراً تزنُه الأسر كل صباح من جديد. كانت الأمهات والآباء يقفون بانتظار باص المدرسة، فيما القلق يعلو وجوههم. في الشارع، كانت تتداول أقاويل عن حوادث خطف، وأسماء فتيات لم يعدن من طريق ما. لم يكن أحد قادراً على التثبت من كل ما يُقال، لكن في أجواء كهذه، تصبح الشائعة حقيقة يتصرف الناس على أساسها.

تعود ذاكرتي إلى زميلة كانت تجلس قريباً مني في بداية المرحلة الإعدادية، ذات جمال لافت وضحكة لا تُنسى. انقطعت بعد أسبوع من الدراسة في الرابع الإعدادي. طالتها إشاعات عن الخطف والاغتصاب على يد الأميركيين. اختفت فجأة، وكثرت الأحاديث عنها: من قال إنها قُتلت، ومن قال إنها انتحرت، ومن أشاع أنها تزوجت. لكن ما أذكره حقاً أنها اختفت كأنما لم تكن، ثم نُسي أمرها بعد فترة وجيزة.

وأتذكر أيضاً جارتي التي لا أنساها، وكانت من أوائل الصف دائماً. تلك الفتاة التي تحفظ المعادلات وتشرحها لغيرها كأنها معلمة، ولم تكن قد بلغت السابعة عشرة بعد. حين قرر أهلها أن تترك الدراسة، رغم معدلها المرتفع، سمعتهم يقولون جملة لم أفهمها جيداً آنذاك: “ماذا تنفع الشهادة وأمريكا تصخم وجه البنية.”

وقفت أمام تلك الجملة من دون أن أملك رداً، ولم أدرك ما تحمله من معنى إلا بعد سنوات، حين كبرت وفهمت كيف تُحوّل الأزمات الكبرى جسد المرأة إلى ميدان للقلق والعار والخوف، وكيف أن الشهادة، في عرف بعض العائلات، لا تغسل ما تخشاه الأسرة على بنتها في الشارع. فدرجة العلم لا تنفع حين يكون العار هو المعيار.

تغيّر كل شيء بعد 2003. الوجوه تغيّرت، والمشاعر تغيّرت، والأحلام تغيّرت، والبلد نفسه صار شيئاً آخر. صارت الحرية تُقاس بعدد الحواجز الكونكريتية التي تقطع الشوارع وتعيد رسم خرائط المدن من جديد. أما حلم الدراسة، الذي كنا نظنه حقاً لا يُنازع، فقد تبخر بالنسبة إلى فتيات كثيرات من جيلي، واحدة بعد أخرى، في صمت لا يسجله أحد، ولا تعدّه نشرات الأخبار.

الحرب تحصي القتلى، لكنها لا تحصي الأحلام التي ماتت من دون أن تُطلق رصاصة.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali