المنصة _ رقية خضير
بين أزقة سوق السراي، يجلس مرممو الكتب في محالهم الصغيرة، منهمكين في إعادة الحياة إلى كتب أنهكها الزمن وكادت تفقد قيمتها. بهدوء وصبر، يفصلون صفحاتها المتلاصقة، ويرتبون أوراقها، ويصلحون أغلفتها، حتى تصبح صالحةً للقراءة من جديد. بالنسبة إليهم، لا يقتصر الأمر على ترميم الورق، بل يتصل بالحفاظ على المعرفة، لأن اختفاء الكتاب يعني ضياع جزء من الذاكرة.

يحمل سوق السراي تاريخاً طويلاً ارتبط بالثقافة والكتب، فهو أحد أقدم أسواق بغداد، وعُرف بمطابعه ومكتباته ومحال تجليد الكتب وبيع القرطاسية. ورغم التغيرات التي شهدها خلال السنوات الأخيرة، لا يزال السوق محتفظاً بجزء من هويته الثقافية.

منذ واحد وخمسين عاماً، يواصل جمال عمله في ترميم الكتب وتجليدها. غطى الشيب رأسه، لكن شغفه بالمهنة لم يتغير، فما زال يحافظ على الكتب القديمة ويعيد إليها الحياة، كما اعتاد منذ أن بدأ العمل في الحادية عشرة من عمره داخل مطابع شارع المتنبي.
حين التحق جمال بالخدمة العسكرية لم يبتعد عن المهنة التي ورثها عن عائلته، إذ عمل في المطابع العسكرية، وواصل عمله إلى جانب خدمته. وفي عام 1979، كان معظم نشاطه يتركز على طباعة سجلات المدارس والدوائر الحكومية.
غير أن الإقبال على الطباعة والتجليد بحسب جمال لم يعد كما كان. فبعدما شهدت المهنة طلباً كبيراً في السابق، تراجع العمل مع دخول المنتجات المستوردة، ما انعكس بوضوح على أصحاب هذه المهنة ومصادر دخلهم.

يستغرق ترميم الكتاب الواحد نحو ساعتين، بحسب حجم التلف الذي لحق به. وعندما تتلاصق صفحاته بسبب الرطوبة، يلجأ جمال إلى عملية تُعرف بين العاملين في المهنة باسم “التعريش”، يفصل خلالها الأوراق بعناية، قبل أن يعيد ترتيبها وتجميع الكتاب وترميمه، ليبدو كأنه جديد.

لا يتوقف عمل جمال عند ترميم الكتب، بل يشمل المصاحف القديمة أيضاً. وعندما تكون بعض صفحات المصحف تالفةً، يستعين بصفحات من مصحف مماثل، للمحافظة عليه وإبقائه صالحاً للقراءة. كما يتولى تجليد الرسائل الجامعية مستخدماً مشمعاً خاصاً يمنح أغلفتها متانةً ويساعد على حفظها.
وضع جمال كتاب على الطاولة الخشبية حيث التصقت معظم أوراقه امسك مسطرة رفيعة وبدأ يفصل الاوراق صفحة تلو الأخرى بحذر خشية ان تتمزق بين يديه . وبعد ان انتهى من ترتيبها استبدل الغلاف القديم بآخر لتستعيد صفحات الكتاب شكلها من جديد .
على بعد خطوات قليلة، يجلس أبو زيد، ذو التسعين عاماً، الذي أمضى نحو ستين عاماً بين تجليد الكتب وإصلاح الأقلام. ورغم تقدمه في السن ما زال يحضر إلى محله يومياً، متمسكاً بالمهنة التي رافقته خلال معظم سنوات عمره.
لم تقتصر مسيرة أبي زيد على العمل في سوق السراي، فقد عمل سابقاً في إحدى الدوائر الحكومية، وكان مسؤولاً عن قسم أقلام “باركر” وصيانة الأجهزة الدقيقة. وبعد إحالته إلى التقاعد قبل أربعين عاماً، عاد إلى محله القديم، ليواصل تجليد الكتب وبيع الأقلام وإصلاحها.
يستعيد أبو زيد أيام سوق السراي القديمة بحنين، حين كان المكان يعج بالحركة والزبائن. أما اليوم، فيقول “إن مردود يوم كامل من العمل قد لا يتجاوز أجرة السيارة بعدما كانت المهنة توفر له دخلاً أفضل بكثير”.

يحمل كل كتاب يصل إلى طاولة الترميم حكايةً مختلفةً. جاء عباس، البالغ من العمر خمسةً وأربعين عاماً، إلى محل جمال حاملاً مصحف والده المتوفى، الذي اعتاد قراءته سنوات طويلة. كانت بعض صفحاته قد تلفت وغلافه قد تهالك، فقرر ترميمه ليحتفظ به كما تركه والده. ، يقول عباس ان والده كان يقرا بالمصحف بعد صلاه الفجر لذلك فضل ترميمه لأنه يمثل ذكرى عائلية لا يمكن تعويضها . ترك المصحف لدى جمال واخذ يتجول في السوق بانتظار انتهاء ترميمه واعادته الى حالته المناسبة .
تتكرر في سوق السراي حكايات الزبائن، وإن اختلفت حاجاتهم. كان مصطفى، وهو خطاط، يتنقل بين المحال بحثاً عن قلم يناسب عمله. وبعد جولة قصيرة، توقف عند محل أبي زيد، وأخذ يتفحص الأقلام بعناية، حتى وجد القلم الذي يبحث عنه، موضحاً أن الخطاط يحرص على اختيار أدواته، لأنها جزء أساسي من عمله.
وفي مهنة أخرى مرتبطة بالكتاب والطباعة، يعمل مازن، البالغ من العمر أربعين عاماً، في مجال تصميم أغلفة الكتب منذ عام 2012. ومن موقعه بين أصحاب المهن في سوق السراي، يرى أن دخول الذكاء الاصطناعي أحدث تغيرات كبيرةً في طبيعة عمل المصممين.

لكن المصمم، بحسب مازن، لا يعتمد على الذكاء الاصطناعي وحده، بل يبدأ بتزويده بالمعلومات والأفكار، ثم يعيد صياغة العمل بنفسه، فيغير الألوان، ويعدل الخطوط، ويضيف لمساته الخاصة. لذلك تبقى النتيجة النهائية مرتبطةً بخبرة المصمم وطريقته في توظيف هذه الأدوات.
ويشير مازن إلى أن أذواق الزبائن تتغير باستمرار، ففي كل فترة يظهر أسلوب جديد، فيما أصبح اللون الأسود الأكثر طلباً خلال الفترة الحالية، سواء في أغلفة الكتب أو حتى البطاقات أو الملصقات.
ورغم اعتماده على التقنيات الحديثة، يفضل مازن الاحتفاظ بأسرار المهنة لنفسه. فهو يرى أن الخبرة التي اكتسبها خلال سنوات عمله في تصميم أغلفة الكتب هي ما يميزه عن غيره، لذلك لا ينقل تفاصيلها إلى الآخرين، خشية أن يؤثر ذلك في مصدر رزقه.
عند الساعة الثالثة ظهراً، تُغلق أبواب المحال وتعود الكتب إلى أماكنها. يغادر جمال وأبو زيد ومازن بعد يوم طويل، حاملين معهم تعب النهار وحرارة الصيف، على أمل أن يحمل لهم صباح الغد كتاباً جديداً ينتظر الترميم، ليواصلوا مهنةً حافظت على الكتب سنوات طويلة، وما زالت تقاوم تغير الزمن.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



