نغم مكي – المنصة
في الساعات الأولى من بعد الظهر، حين تلامس الحرارة 50 درجة مئوية في البصرة، تصمت المروحة السقفية فجأة، وتتوقف ثلاجة أم حيدر عن الطنين.
لا يستغرق الأمر أكثر من لحظة ليدرك سكان المدينة أن الكهرباء انقطعت من جديد، لكنهم يحتاجون سنوات ليستوعبوا أن مدينتهم، التي اعتادت الإفلات من برمجة القطع بوصفها عاصمة العراق النفطية، باتت اليوم تتقاسم العتمة مع بقية المحافظات.

في محلة السيمر التراثية، التي عُرفت في العهد العثماني بوابةً تجارية لمنطقة البصرة القديمة، وتقع على بعد نحو 3.9 كيلومترات من مركز المدينة، تقبع أم حيدر (62 عاماً) داخل دكان ضيق لا تتجاوز مساحته خطوتين، يشكل مصدر الرزق الوحيد لها ولزوجها المسن.
تتنقل بصعوبة بين رفوف البضائع المزدحمة، يثقل حركتها كسر قديم في منطقة الحوض لم يلتئم كما ينبغي، فتستند بكفها إلى حافة الطاولة كلما اضطرت إلى الانحناء. ولا تقتصر معاناتها على الظلام الذي يرافق انقطاع الكهرباء، بل تمتد إلى الثلاجة الوحيدة التي تشكل عصب تجارتها الصغيرة، إذ يفسد كل ما يحتاج إلى تبريد.
تسرد معاناتها بحسرة قائلة: “هسة جرينا أمبير من ظلت تطفي والدنيا تحتر”، إذ لا يشتري أحد المشروبات إن لم تكن باردة، وتفقد قناني المياه قيمتها تماماً في لهيب الصيف إذا عُرضت دافئة. ومع تداخل أزمة الكهرباء مع انقطاع المياه المتكرر، الذي استمر أسبوعاً كاملاً، تتغير ملامح أم حيدر وينقبض وجهها قبل أن تقول بامتعاض: “هاي هم حياة عايشين بالضيم”.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، دخلت البصرة رسمياً نظام البرمجة الكهربائية بواقع أربع ساعات تجهيز مقابل ساعتين قطع، في وقت يتزامن فيه ارتفاع قياسي في درجات الحرارة تجاوز 52 درجة مئوية مع أزمة مياه متكررة تتراوح بين الشح والملوحة.

المحافظة التي كانت تتمتع باستثناء دائم بسبب حرارتها القاسية وموقعها مركزاً رئيساً لإنتاج الثروة النفطية، تراجع إنتاجها المحلي إلى نحو 3150 ميغاواط فقط، مقابل حاجة تقديرية تتجاوز 5500 ميغاواط.

وتعود هذه الفجوة إلى نقص إمدادات الغاز، وتوقف الخط الإيراني، إلى جانب تراجع كفاءة المحطات بفعل الحرارة المفرطة. وفي مقابل الغضب الشعبي، توضح وزارة الكهرباء آلية توزيع الحصص، مبينة أن التوليد الكلي، البالغ نحو 22 ألف ميغاواط، يوزع وفق نسب محددة بين المحافظات بعد استثناء المستشفيات ومحطات المياه والأحمال المساعدة. وتشير الوزارة إلى أن بغداد تحصل على 27.07% من الإنتاج، وذي قار على 9.02%، ونينوى على 8.47%، فيما تحصل البصرة على حصتها المحسوبة بصورة منفصلة.
لكن هذه الأرقام الرسمية لا تعني الكثير لصانع يقف في ورشته أو لبائع ينتظر زبائنه داخل دكان صغير.
في محلة نظران، قلب البصرة النابض بالتراث، والمزدحمة بأزقتها التاريخية وبيوت الشناشيل الخشبية التي ما تزال شاهدة على مجد معماري قديم، يعمل جاسم محمد نجاراً منذ عشرين عاماً وسط مكائن ثقيلة لا تعمل إلا بتيار كهربائي مستمر، تعجز المولدات الأهلية عن توفيره.
حين تنطفئ الكهرباء الوطنية، يتوقف كل شيء دفعة واحدة. يقف جاسم منتظراً ساعتين أو أكثر قبل أن يعود إلى مهام بسيطة لا تحتاج إلى طاقة كبيرة، يمسح نشارة الخشب عن ثيابه، ويرتب أدواته، أو يلمع إحدى القطع الخشبية التي اضطر إلى تأجيل العمل عليها.
يدفع جاسم شهرياً نحو 30 ألف دينار للمولد الأهلي، بعدما ارتفع سعر الأمبير إلى 10 آلاف دينار هذا العام، متأثراً بزيادة أسعار الوقود. وبينما يتحمل هذه الكلفة الإضافية، يتساءل بصوت يحمل مرارة أبناء مدينته: لماذا تُحرم البصرة، وهي مصدر الثروة النفطية، من الاستثناء الذي تحظى به مدن أخرى؟

علي سلمان، الذي يعمل نجاراً هو الآخر، يدير ورشة أكبر تضم أكثر من ثلاثة عمال. وسط رائحة نشارة الخشب والغراء، يقف منهمكاً في ضبط قياسات أحد الأبواب الخشبية قبل تسليمه إلى زبون ينتظر إنجازه. يمارس المهنة منذ عشرين عاماً، ويرى أن تراجعها لا يرتبط بانقطاع الكهرباء وحده، بل أيضاً بغياب أي دعم للمنتج الوطني في مواجهة البضائع المستوردة الرخيصة، التي لا تواجه الأعباء نفسها. ويشغّل مولده الخاص ساعة أو ساعتين يومياً خلال فترات البرمجة، وهو وقت يكاد يكفي لإبقاء ورشته على قيد العمل.

في منطقة السكاكين، حيث تتجمع ورش التصليح، يجلس علي محمد هاشم، وهو شاب ثلاثيني يعمل في صيانة الأجهزة الكهربائية منذ 19 عاماً، داخل ورشته الصغيرة التي تفوح منها رائحة الزيت والمعدن، فيما يغطي السخام الأسود يديه اللتين لم تعرفا النظافة الكاملة منذ سنوات.

يمسح قطرات العرق المتصببة عن جبينه بظهر يده، يستريح للحظات، ثم يعاود العمل. يصف انقطاع التيار الكهربائي بأنه توقف كامل لعمله، إذ لا يستطيع فحص الأجهزة، مثل الدريل والباسطر وغيرها، إلا بوجود كهرباء وطنية مستقرة، بينما لا يوفر مولده الصغير القدرة اللازمة لإجراء الفحوص الدقيقة. ويقارن بين واقعه الحالي، حيث لا تتجاوز ساعات القطع ساعتين، وبين أشهر سابقة كان الانقطاع خلالها أطول، ليعلق بمرارة ساخرة بأن العزلة التامة عن الكهرباء كانت أهون من انتظار متقطع يكسر إيقاع يومه ويعطل عمله.
وعلى مقربة منه، يجلس أبو محمد أمام محله، وسط فوضى من المعدات المبعثرة. تسرح عيناه بعيداً وهو يستعيد سنوات طويلة من العمل الحر الذي بات مهدداً. ويرى أن قرار البرمجة لا يراعي خصوصية مدينة تتجاوز درجات الحرارة فيها 52 مئوية صيفاً. ويشغّل مولداً يحتاج إلى ثلاثة أو أربعة أمبيرات لتسيير عمله، لكنه يشتكي من كثرة الأعطال التي تتسبب في توقف العمل، ويصف الكهرباء، وهو يتنهد، بأنها “الشريان الوحيد للحياة العملية” في المدينة.

في المقابل، يقدم أبو مرتضى، الذي يعمل في تصليح الأجهزة الكهربائية منذ عام 1985، رؤية مختلفة. يفتتح محله عند السابعة صباحاً، ويغلقه ظهراً، ثم يعاود العمل مساءً حتى السابعة والنصف. ويرى أن ساعات القطع الحالية لا تؤثر كثيراً في عمله، وأن الوضع “اعتيادي” مقارنة بما تعانيه محافظات أخرى، في إشارة إلى أن أثر الانقطاع يختلف باختلاف طبيعة المهنة وساعات العمل، ولا ينعكس بالدرجة نفسها على جميع سكان المدينة. وبينما يتحدث، يجري اتصالاً بأحد الزبائن ليستعجله في استلام ثلاجته التي انتهى من إصلاحها، تمهيداً لإغلاق المحل والعودة إلى منزله.

وعند باب إحدى المولدات الأهلية في شارع 14 تموز، يفرغ مرتضى عدنان، وهو شاب في نهاية عقده الثالث يعمل في هذه المهنة منذ خمس سنوات، لتراً من الماء في رادياتير مولدته التي أنهكتها ساعات التشغيل الطويلة، قبل أن يغسلها بيديه الملطختين بالوقود والزيت.
يبدأ حديثه قائلاً: “الكهرباء مو زينة بالصيف”، موضحاً أن الأعطال تتضاعف في فصل الصيف بسبب الحرارة المرتفعة وطول ساعات التشغيل، بينما تكاد تختفي في الشتاء، حين يلغي كثير من المشتركين اشتراكاتهم.
ويبلغ معدل تشغيل المولدات في وسط المدينة نحو 12 ساعة يومياً، فيما يصل سعر الأمبير الواحد إلى نحو سبعة آلاف دينار عراقي (قرابة خمسة دولارات)، وهو رقم مرشح للارتفاع إلى عشرة أو حتى خمسة عشر ألف دينار مع أي زيادة في أسعار الديزل.
ويؤكد مرتضى أن أي عطل في المولدة قد يكبده خسائر تتجاوز مليون دينار عراقي، أي ما يقارب 763 دولاراً، في ذروة الصيف، إذ يسارع كثير من المشتركين إلى إلغاء اشتراكاتهم إذا توقفت الخدمة، ولو ليوم واحد.
تفسر الباحثة الاقتصادية رؤى خلف هذا التناقض المعيشي بمفهوم اقتصادي يُعرف بـ”لعنة الموارد”. وتوضح أن البصرة تعاني اعتماداً مفرطاً على النفط، رغم تنوع مواردها، وهو ما حال دون خلق فرص عمل تتناسب مع النمو السكاني واتساع سوق العمل، في ظل تراجع الزراعة بسبب ملوحة المياه، وغياب القطاع الصناعي، وضعف النشاط السياحي.
وتبين أن هذا الخلل حال دون انعكاس العائدات النفطية على التنمية أو خفض معدلات الفقر، لتبقى آثارها محصورة في رواتب الموظفين الحكوميين وبعض مشاريع البنى التحتية، مثل بناء الجسور.
وتؤكد رؤى أن أزمة الكهرباء توجه ضربة مباشرة إلى البيئة الاستثمارية والمشاريع الصغيرة والكبيرة، إذ ترفع كلفة الإنتاج نتيجة الاعتماد على الوقود البديل وأعمال الصيانة، وتدفع أصحاب المشاريع الصغيرة، وهم الحلقة الأكثر هشاشة، إلى رفع الأسعار، أو تقليص ساعات العمل والعمالة، أو إغلاق مشاريعهم بالكامل. كما تتسبب الانقطاعات بتلف المواد الغذائية، وتراجع إنتاجية العمال خلال أشهر الصيف.
وتشير إلى أن كلفة الطاقة البديلة تحولت إلى ما يشبه “ضريبة داخلية” غير رسمية، يتحمل المواطن كلفتها النهائية، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود، إذ تستنزف جزءاً كبيراً من دخولهم، مقارنة بالأسر الأكثر قدرة على تحمل تكاليف البدائل، مثل المولدات الخاصة أو منظومات الطاقة الشمسية.
وتختم بالإشارة إلى أن هذه الأعباء المتراكمة تنعكس مباشرة على قدرة الأسر على توفير احتياجاتها الأساسية، من تعليم وصحة ومعيشة، في ظل أزمة مستمرة منذ أكثر من عشرين عاماً من دون حلول جذرية.
ومع اقتراب المغيب، تغادر أم حيدر دكانها الصغير بخطوات بطيئة، تسندها إعاقتها القديمة كما تسندها سنوات التعب. تمد يدها لتطفئ اللمبة الوحيدة المعلقة فوق رفوف البضائع، مكتفية بما تبقى من ضوء النهار المتسلل من الباب، فيما تدور المروحة السقفية ببطء، بالكاد ترسل نسمة إلى الثلاجة المتعبة، ولا تكاد تلامس وجهها في هذا القيظ.
ثم تمضي أم حيدر إلى بيتها لتستريح قليلاً، قبل أن يبدأ يوم جديد، بالكد نفسه، وانتظار انقطاع الكهرباء مرة أخرى.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



