بعدما كان الصبور من أكثر الأسماك حضوراً على موائد البصريين، بات العثور على الأحجام الكبيرة منه أصعب وأسعاره أعلى. بين شح المياه وارتفاع الملوحة والصيد الجائر وتكاليف الرحلات البحرية ومخاطر الحدود، يتحدث صيادون وباحثون عن أسباب تراجع السمكة التي ارتبطت طويلاً بذاكرة المدينة.
سعد ناظم- البصرة
يمسك مصطفى أبو علي بسمكة صبور صغيرة في سوق الأسماك في البصرة، ويقول إن الأحجام التي كانت تملأ السوق قبل سنوات أصبحت أقل ظهوراً. يعمل السماك البالغ من العمر 25 عاماً من الخامسة مساءً حتى الثالثة فجراً، وشاهد خلال سنوات عمله أسعار الصبور ترتفع تدريجياً مع تراجع الكميات المعروضة.
لم يعد غريباً، بحسب مصطفى، أن يصل سعر زوج من الصبور الكبير إلى مئات آلاف الدنانير. ويتذكر أنه باع في إحدى المرات زوجاً بنحو 400 ألف دينار عراقي، بلغ وزن الواحدة منهما قرابة ثلاثة كيلوغرامات ونصف.

ولا يباع الصبور في أسواق البصرة بالكيلوغرام فقط، بل بالزوج أيضاً، ويختلف السعر بحسب الحجم والجودة. يقول مصطفى إن السعر قد يبدأ من نحو 15 ألف دينار للزوج الصغير، ثم يرتفع مع زيادة الحجم، فيما أصبحت الأسماك الكبيرة أقل توافراً.
يقول مصطفى إن كثيراً من زبائنه ما زالوا يبحثون عن الصبور بسبب علاقته المتوارثة بمائدة البصرة، رغم ارتفاع سعره وتراجع الأحجام الكبيرة منه.
ويربط السماك تراجع المعروض من الصبور بصعوبة عمل الصيادين أيضاً. فتكاليف الوقود والعمال والشباك مرتفعة، وقد تصل قيمة بعض شباك الصيد، بحسب قوله، إلى نحو عشرة ملايين دينار، فيما قد ينتهي أسبوع كامل من العمل في البحر بعائد لا يتجاوز 100 ألف دينار للصياد.

ويضيف أن التوترات الأمنية والنزاعات الإقليمية تزيد صعوبة العمل، إذ يتجنب بعض الصيادين الاقتراب من مناطق الصيد القريبة من الحدود أو المواقع البحرية الحساسة.
في الماضي، كان الوضع مختلفاً. يتذكر مصطفى أن الصبور كان أكثر وفرة وأقل سعراً، قبل أن تبدأ كمياته بالتراجع موسماً بعد آخر. ويعزو ذلك إلى شح المياه وارتفاع الملوحة والصيد في فترات غير مناسبة، فضلاً عن عدم الالتزام بأوقات الصيد المحددة.
كثير من الزبائن ما زالوا يبحثون عن الصبور بسبب علاقته المتوارثة بمائدة البصرة، رغم ارتفاع سعره وتراجع الأحجام الكبيرة منه- مصطفى أبو علي، بائع سمك
وتقول الدكتورة زينب جودت السوداني، من مركز علوم البحار، إن تراجع أعداد الصبور في شط العرب وشمال الخليج يرتبط بدرجة كبيرة بالصيد الجائر خلال موسم الهجرة والتكاثر، ولا سيما استخدام الشباك ذات الفتحات الضيقة التي تصطاد الأسماك الصغيرة والأمهات الحاملة للبيض قبل أن تتمكن من التكاثر.

وتضيف أن انخفاض كميات المياه العذبة الواصلة من دجلة والفرات، إلى جانب التغيرات في مجاري بعض الأنهار، سمح بتوغل اللسان الملحي القادم من الخليج إلى مسافات أبعد داخل شط العرب.
وتؤكد أبحاث أجراها باحثون في مركز علوم البحار بجامعة البصرة أهمية شط العرب وشرق هور الحمار في دورة تكاثر الصبور. ففي دراسة تابعت يرقات السمكة بين نيسان 2013 وآذار 2014، عُثر على اليرقات في المنطقة بين آذار/مارس وتشرين الأول/أكتوبر، وخلص الباحثون إلى أن شط العرب وشرق هور الحمار يؤديان دوراً مهماً بوصفهما مناطق للتكاثر والحضانة. كما سجلت الدراسة علاقة سلبية بين ارتفاع الملوحة ووفرة اليرقات في مواقع الدراسة.
وبحسب السوداني، فإن ارتفاع الملوحة وتراجع المياه العذبة يؤثران في البيئة اللازمة لفقس البيوض ونمو اليرقات، وفي حركة الأسماك البالغة خلال موسم التكاثر. ومع استمرار الصيد الجائر وفقدان موائل التبويض، انخفضت أعداد الصبور، بحسب قولها.
في سوق السمك، يلاحظ الحاج أبو عبد الله، 65 عاماً، التغير أيضاً. يتنقل بين الأسماك البحرية والنهرية، العراقية والمستوردة، ويسأل عن الصبور الذي اعتاد رؤيته بأحجام أكبر.
يقول إن الموجود منه اليوم قليل وأصغر حجماً، وإن السمكة الكبيرة لم تعد وجبة يمكن للعائلة شراءها بسهولة ودعوة الضيوف إليها كما في السابق.

ويروي أبو عبد الله أن بعض الصيادين يفضلون، بحسب ما يسمعه في السوق، بيع الأحجام الكبيرة في أسواق خليجية حيث تحقق سعراً أعلى. ويقول: “حين تتوفر الأسماك الكبيرة في أسواقنا تكون أسعارها مرتفعة، ولا يستطيع الجميع شراءها”.
تراجع أعداد الصبور في شط العرب وشمال الخليج يرتبط بدرجة كبيرة بالصيد الجائر خلال موسم الهجرة والتكاثر، ولا سيما استخدام الشباك ذات الفتحات الضيقة- د. زينب جودت السوداني، مركز علوم البحار
ويتذكر الرجل زمناً كانت فيه كميات الصبور كبيرة إلى حد أن بعض المزارعين كانوا يستخدمون الأسماك الزائدة سماداً لأراضيهم.

من جهته، يرى الناشط البيئي جمعة الدراجي أن الصبور يتحرك ضمن بيئة واسعة تشمل شمال الخليج والسواحل العراقية والإيرانية والكويتية، وصولاً إلى شط العرب والمناطق المرتبطة بالأهوار.
ويقول إن الصبور ليس مجرد نوع من الأسماك بالنسبة إلى مائدة البصرة، بل يرتبط بطلب ثقافي وغذائي مرتفع، ولذلك يمكن أن يرتفع سعره سريعاً عندما تنخفض الكميات المعروضة.
ويضيف الدراجي أن موسم الصبور قصير نسبياً، فيما يبقى الإقبال عليه مرتفعاً حتى مع ارتفاع السعر، بينما تتراجع أسعار بعض الأنواع الأخرى.
ويربط الدراجي ارتفاع أسعار الصبور بعدة عوامل، من بينها تراجع المياه العذبة وارتفاع الملوحة والتلوث والصيد خلال موسم الهجرة، إضافة إلى تكاليف الصيد والوقود والنقل والتبريد والوسطاء.

ويشير إلى أن ضعف الجدوى الاقتصادية للصيد البحري أدى، خلال فترات سابقة، إلى خروج بعض الصيادين والزوارق من النشاط، ما قلل الكميات المعروضة في الأسواق.
كما يشدد على ضرورة النظر إلى الصبور ضمن البيئة الخليجية المشتركة، لا باعتباره مخزوناً عراقياً منفصلاً، لأن أي تغير في شط العرب أو السواحل الإيرانية والكويتية أو مياه شمال الخليج يمكن أن يؤثر في الكميات التي تصل إلى المياه العراقية.
ويقول الدراجي إن ارتفاع الملوحة لا يعني أن الصبور غير قادر على العيش في المياه المالحة، فهو من الأسماك التي تنتقل بين المياه البحرية والمياه العذبة، لكن انخفاض تدفق المياه العذبة وتقدم مياه الخليج المالحة شمالاً يغيران ظروف الهجرة والتكاثر وبقاء البيوض واليرقات.
ويضيف أن الصبور يهاجر من الخليج نحو شط العرب والأنهار والمناطق المرتبطة بالأهوار خلال موسم التكاثر، وأن انخفاض تدفق دجلة والفرات وارتفاع ملوحة شط العرب يؤثران في هذه الهجرة وفي التجدد الطبيعي للمخزون.
وتشير دراسات أكاديمية إلى أن تراجع حضور الصبور في المصيد العراقي ليس جديداً. ففي دراسة منشورة عام 2022 لباحث من جامعة البصرة، وُصف الصبور بأنه تاريخياً أهم مصايد الأسماك البحرية في المحافظة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، فيما تراجعت مساهمته من نحو 90.2 في المئة من إجمالي الإنزال السمكي خلال الفترة بين 1965 و1973 إلى نحو 5.8 في المئة عام 2020.

ويرى الدراجي أن هناك عوامل أخرى تؤثر في الكميات التي تصل إلى أسواق البصرة، بينها التوترات الأمنية والحدود البحرية والمناطق العسكرية والموانئ والمنشآت النفطية.
ويقول إن الصيادين يعرفون، من خلال خبرتهم، المواقع التي تتجمع فيها الأسماك، لكن الخوف من الاقتراب من الحدود العراقية الإيرانية أو العراقية الكويتية، أو من بعض المناطق البحرية الحساسة، قد يمنعهم من الوصول إلى هذه المواقع.
ويؤكد أن انخفاض الكميات المعروضة في السوق لا يعني بالضرورة أن عدد الصبور في الخليج انخفض بالنسبة نفسها، إذ قد يكون المخزون موجوداً لكن الصيادين لا يستطيعون الوصول إلى جزء منه بسبب الحدود أو الأمن أو ارتفاع كلفة الرحلات.

ويشير الدراجي إلى أن ارتفاع السعر قد يرتبط بتراجع المخزون نتيجة تغير الظروف البيئية والصيد الجائر، كما قد يرتبط أيضاً بانخفاض الكميات المعروضة في أسواق البصرة بسبب ارتفاع كلفة الصيد أو صعوبة الوصول إلى مناطق تجمع السمك.
ويضيف أن النزاعات والتوترات الإقليمية يمكن أن تؤثر في الصيد وكلفته وحركة السوق، فإذا انخفضت الكميات الداخلة إلى البصرة وبقي الطلب مرتفعاً، ترتفع الأسعار.
وبحسب مصطفى، ينقسم زبائن سوق السمك في البصرة بين من يفضل الأسماك البحرية ومن يميل إلى أسماك الأنهار والأهوار، فيما تختلف اختياراتهم بحسب الأسعار والأحجام المتوفرة. يقول: “كل شيء موجود، والناس تختلف في أذواقها، لكن كثيرين يشترون الروبيان ويغادرون الصبور”.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.


