قصص من الشارع

من مشتل عائلي إلى فرصة استثمارية.. كيف تنمو سوق النباتات في حلبجة؟

14/10/2026

سلام هاندني- حلبجة

عند الثامنة صباحاً، تصل زهية جمال إلى المشتل الذي تديره عائلتها في الجزء الشمالي من مدينة حلبجة. تبدأ بريّ النباتات وتفقد الزهور، بينما يتولى شقيقها بروى أعمالاً أخرى في المكان. وعلى مدار اليوم، يتقاسم أفراد العائلة عملاً بدأه الأب قبل 17 عاماً ببضع مئات من الشتلات، وتحول تدريجياً إلى مصدر رزق للأسرة ومشروع ينتج اليوم عشرات آلاف الشتلات سنوياً.

تقول زهية لـ”المنصة”: “أكون هنا صباحاً عند الساعة الثامنة لري الزهور والعناية بها. في أغلب الأوقات أعمل مع أخي، ووالدي ووالدتي أيضاً يكونان هنا في معظم الأوقات، لكننا الآن نتولى معظم الأعمال”.

يحمل المكان اسم “مشتل وروضة بروى”، ويضم، وفق القائمين عليه، نحو 850 نوعاً من الشتلات والأشجار والزهور. وتقول العائلة إن الإنتاج الذي بدأ بكميات محدودة ارتفع خلال السنوات الأخيرة إلى ما بين 50 و60 ألف شتلة سنوياً.

لكن قصة المشتل لا تتوقف عند نمو مشروع عائلي خلال 17 عاماً. فإنتاج الشتلات والأشجار ونباتات الزينة أصبح واحداً من المجالات التي تطرحها حكومة إقليم كردستان كفرص استثمارية في حلبجة، في وقت ما يزال فيه قطاع البستنة العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على المنتجات والمدخلات المستوردة، ولا سيما من دول الجوار.

وتضع هيئة الاستثمار في إقليم كردستان ضمن الفرص الزراعية المطروحة في حلبجة مشاريع لإنتاج الشتلات المصدقة، وشتلات الأشجار والغابات ونباتات الزينة، إلى جانب البيوت المحمية ومشاريع زراعية أخرى.

وتشير دراسة عن قطاع البستنة في العراق وإقليم كردستان، أُعدت بتكليف من القنصلية العامة الهولندية في أربيل ونشرت عام 2024، إلى استمرار اعتماد السوق العراقية بدرجة كبيرة على المنتجات والمدخلات البستانية المستوردة، خصوصاً من إيران وتركيا، مع وجود فرص للتوسع في الإنتاج المحلي للزهور ونباتات الزينة والشتلات.

بين هذين المسارين، تبدو تجربة عائلة زهية مثالاً صغيراً على ما يمكن أن يعنيه هذا التحول على الأرض: من شراء بعض النباتات من الخارج إلى محاولة إكثارها محلياً وإنتاج أعداد أكبر منها بأسعار أقل.

بدأ المشتل قبل 17 عاماً ببضع مئات من الشتلات، ويقول أصحابه إن إنتاجه يصل اليوم إلى ما بين 50 و60 ألف شتلة سنوياً.

مع انتقال جانب أكبر من العمل إلى الأبناء، اكتسب المشروع طابعاً مختلفاً. فزهية خريجة قسم الزراعة، ووجدت في المشتل عملاً يرتبط بما درسته. تقول: “عملي ضمن اختصاصي، ولدي خبرة جيدة، وأحب عملي كثيراً”.

داخل المشتل، تشرف على قسم مغلق مخصص لبعض أنواع الزهور التي تحتاج إلى ظروف مختلفة من حيث الري ودرجات الحرارة. وتقول إن العناية بالنباتات لا تقتصر على سقيها، بل تبدأ من اختيار التربة والتسميد والتنظيف، وصولاً إلى كمية الضوء والماء التي يحتاج إليها كل نوع.

وتشبّه زهية الأمر بتربية طفل يحتاج إلى متابعة مستمرة، إذ يمكن لاختلاف بسيط في الري أو الحرارة أن يؤثر في نمو بعض النباتات.

أما شقيقها بروى، الذي حمل المشتل اسمه، فهو خريج قسم الفنون ويتولى إدارة جانب من العمل وترتيب النباتات وعرضها. ويقول: “نعمل أنا وأختي هنا يومياً لأكثر من عشر ساعات”.

بحسب بروى، بدأ والده المشتل قبل 17 عاماً ببضع مئات من الشتلات، قبل أن يتوسع المشروع تدريجياً وتزداد الأنواع والكميات المنتجة، لتصل منتجاته اليوم إلى أسواق مختلفة داخل إقليم كردستان والعراق.

ولا يقتصر التوسع على زيادة أعداد الشتلات. فقد اعتمدت العائلة في بعض الأنواع على جلب عينات من الخارج ثم إكثارها محلياً. وتقول إنها جلبت نباتات من دول بينها هولندا وتركيا وإندونيسيا، ونجحت في إنتاج أعداد أكبر منها داخل المشتل.

تضع هيئة الاستثمار في إقليم كردستان إنتاج الشتلات والأشجار ونباتات الزينة ضمن الفرص الاستثمارية الزراعية المطروحة في حلبجة.

ومن الأمثلة التي تذكرها العائلة أنواع من توت العليق والتوت الأزرق والتوت الأسود. ووفق القائمين على المشتل، وصل سعر بعض العينات المستوردة في البداية إلى نحو 200 دولار للنبتة الواحدة، قبل أن يتم إكثارها محلياً وإنتاج مئات الشتلات منها، لتباع الواحدة اليوم بأسعار تتراوح بين 20 و25 ألف دينار عراقي.

وتوضح هذه التجربة الفرق بين استيراد النبات جاهزاً وبين تحويله إلى أصل إنتاج محلي يمكن إكثاره مرات عديدة. فبدلاً من شراء كل شتلة من الخارج، تصبح العينة المستوردة نقطة بداية لإنتاج أعداد أكبر داخل المشتل، وهو ما يخفف الكلفة على المشروع ويوسع الكميات المتاحة في السوق المحلية.

ويضم المشتل اليوم أنواعاً مختلفة من أشجار الفاكهة ونباتات الزينة والصنوبر والتوت، إلى جانب الزهور المستخدمة في المنازل والحدائق وباقات المناسبات. وتتفاوت الأسعار بحسب النوع والحجم والعمر، إذ تبدأ بعض النباتات من نحو ألف دينار عراقي، بينما تصل أسعار بعض الأشجار الكبيرة والنادرة إلى مبالغ أعلى بكثير.

ومن بينها نوع من نخيل الواشنطونيا، يقول أصحاب المشتل إن سعر بعض أحجامه يصل إلى 1500 دولار، فيما توجد أنواع أخرى بأسعار تتراوح بين عشرات ومئات الدولارات.

ولا يبدو التوسع في إنتاج الشتلات معزولاً عن توجه أوسع في المحافظة. ففي قضاء خورمال بحلبجة، أُعلن عام 2025 عن مشروع لإنتاج 25 ألف زهرة وشتلة بهدف دعم المساحات الخضراء في المحافظة ومحيطها.

ومع توسع الإنتاج، أصبح للمشتل زبائن يبحثون عن النباتات المنزلية والزهور، وآخرون يشترون الأشجار والشتلات للحدائق والمساحات الخارجية. وتقول العائلة إن النساء يشكلن نسبة كبيرة من زبائن الزهور والنباتات المنزلية، فيما يتركز جانب آخر من الطلب على الأشجار والشتلات المخصصة للحدائق والساحات.

لا تنتهي علاقة العائلة بالزبائن عند البيع. إذ يقدم أفرادها إرشادات حول طريقة زراعة النباتات واختيار التربة والأسمدة المناسبة، ومواعيد الري والتعرض للشمس، مستفيدين من الخبرة التي اكتسبوها خلال سنوات العمل في المشتل.

محمد سعيد، أحد زبائن المشتل، يقول لـ”المنصة”: “المشتل غني بأنواع مختلفة من الزهور والأشجار، وأصبح موضع ثقة. أي نوع من الزهور أو الأشجار تحتاج إليه ستجد منه أنواعاً كثيرة هنا”.

بعد 17 عاماً من افتتاحه، لم يعد المشتل الذي بدأ ببضع مئات من النباتات عملاً يديره الأب وحده. انتقل جانب كبير منه إلى زهية وبروى، وأضاف كل منهما شيئاً من اختصاصه إلى المشروع، الزراعة بالنسبة إلى زهية، والفن والترتيب بالنسبة إلى بروى.

وفي الصباح التالي، يعود الشقيقان إلى العمل نفسه: ري النباتات، تفقد الشتلات وترتيب الزهور. لكن ما يزرعانه اليوم لا يبقى مجرد بضاعة مستوردة تمر عبر المشتل، فبعض الأنواع التي وصلت إليه عينة واحدة، أصبحت تنتج داخله بمئات الشتلات. وبين مشروع عائلي صغير وفرص استثمارية بدأت تُطرح لهذا القطاع في حلبجة، تكبر سوق تحاول أن تنتج محلياً جزءاً مما اعتادت شراءه من الخارج.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali