مناجل الحرب .. كل شيء مباح (2)

كانت السيارة مثل كلب سلوقي يطارد فريسة،
تناور يمينا وشمالا للتخلص من الحفر، كلما نفذنا من المدن الجاثمة على جانبي
الطريق كسَمّ الخياط.

لا أثر للحياة هناك إلا العلم العراقي ورايات
الحشد الشعبي ترفرف على سطوح الأبنية الناجية من الدمار، وحيثما أبطأنا السرعة وقعت
عيوننا على شعارات وذكريات محاربين هزموا تنظيم “داعش” الإرهابي، خطت
على جدران الأبنية.

صور المقاتلين العراقيين في الحشد والقوات
الاخرى الذين قتلوا اثناء العمليات العسكرية ضد “داعش”، تنتشر أيضا،
غالبا ما يضعها رفاقهم المقاتلون الذين شهدوا مقتلهم، من يعمدها بالحناء ليلة
العيد، كما كن الموصليات يفعلن لقبر البنت!

لا مطاعم في منتصف الطريق (ما زلت اتحدث
بلسان أيار 2017)، مطعم “ما شاء الله” محطة الاستراحة أعاد فتح ابوابه،
لكنها بقيت مواربة، فأدت الدور المواكب التي رافقت المقاتلين كلما تقدموا، حيث يطبخ
الطعام ويوزع مجانا، وأحيانا يتوفر مكان للراحة كما في موكب (بيجي).

لا اخطئ إذا قلت ان أعظم فضل سجله موكب أهالي
الديوانية على السكان المحررين من الموصل، ببطون مخمصة تطحن الحجر يخرجون جائعين
خائفين من بين فكي الموت، فيستقبلهم الديوانيون على أطراف المدينة بالتمن والقيمة
والماء، أي حظ عظيم هذا.

من بيجي الى القيارة (60 كم جنوب الموصل) لم
يكن هناك (نفاخ نار) المنطقة خالية من السكان، عشرات القرى والبلدات فر منها أهلها
اثناء الحرب وهم مشتتون بين المخميات ومدن النزوح.

اقتربنا من قضاء الشرقاط الذي لم يكن محررا وقتذاك
القوات العراقية ترابط، وتصدر أحيانا هجمات تتعرض لها، “الطريق مؤمنة لا
تقلقوا”، قال سائقنا الذي يتحدث قليلا، تعرت أسنانه الصفراء وهو يعض على طرف
سيجارته.

وصلنا القيارة، لندخل حدود محافظة نينوى، لم
نكمل الطريق الى الموصل، المعارك على أشدها هناك، انحرفنا يمينا الى البلدة كانت
مكتظة بالناس بعدما استقبلت موجات نزوح واسعة من الموصل والقرى المجاورة، لقد
احيطت بمجموعة مخيمات، محظوظة لم تنل المناجل منها كما فعلت مع بلدات ومدن اخر.

الموصل ضربت على رأسها بمطرقة ثقيلة قسمتها
الى جزأين، أيمن وأيسر، لا شيء يربط بينهما، الجسور الخمسة تلقت دمارا مزدوجا كأنها
تحملت أوزار المدينة، مرة على يد “داعش” واخرى على يد طيران التحالف
الدولي، وكل له مبرراته! ففي الحرب كل شيء مباح، كما يقال.

لذا يضطر المسافرون الى المرور على جسر عائم
(جسر منيرة)، طوابير طويلة عريضة، ساعتان او ثلاث متوسط الوقت الذي تحتاجه السيارة
لعبور الجسر وكثيرا ما يبيتون اذا تعكر مزاج النهر ورفس بكتفه طرف الجسر، ليبيت
الناس على جانبي النهر.

عبرنا (منيرة) يجب ان نلتف مسافة نحو 50 كم
للوصول الى الجانب الايسر من الموصل، ليس قبل المرور بنقاط تفتيش، الشباب والنساء
على السواء الى الحاسوب، البحث عن الدواعش مكثف، لن يشفع لك أحد، الا إذا كانت
بطاقتك الشخصية تثبت أنك من خارج الموصل، او كنت منتسبا في القوات العراقية.
بعض عناصر “داعش” تمكنوا من
الفرار، كانوا يحملون بطاقات شخصية مزورة، لذا اعتمدت بعض الأجهزة الأمنية على
الأهالي للإبلاغ عن الدواعش وحسنا فعل البعض لما ابلغوا عن كثير منهم.

“لا تقل خراء”

 

قرأت علامة خضراء تشير الى الحمدانية (30 كم
شرق الموصل) تململت، “أصبحنا على مشارف المدينة”، قال السائق وهو ينظر
الي بطرف عينيه، يراقب علامات الارتباك على وجهي.

أشار الى خزانات حديدية حولها بقع سوداء: “المحارق
هذه استخدمها الناس في ظل حكم داعش لتكرير الوقود بطريقة بدائية، العويك (خراء
الوقود)، قال وهو يضحك لهذا التشبيه”.

عندما دخلنا المدينة التهمتُ بعينيّ التدفق
الصوري، الجدران على جانبي الطريق منقوشة بإطلاقات نارية المناجل تركت اكداسا من
الانقاض في حقل الحرب، حفر كبيرة، حركة مرور فوضوية، اناس مترددون، بقايا اثار
داعش على الجدران مكتوبة او معلقة بإعلانات كبيرة، وعلى الألسن أيضا.

“حجي”، نادى صبي متسخ يبيع المحارم
الوقية في أحد التقاطعات المرورية على سائقنا.

“لا تقل خراء”، اجابه السائق
بامتعاض. هذه من الكلمات التي انتشرت على نطاق واسع في المدينة بعدما سيطر عليها
التنظيم، يجب ان نمحي أي أثر لأولئك المجرمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى