شهادات عن الحرب والسلام

تزاحمت المشاهد وتجمعت الأفكار وتدافعت الصور أمامي عندما حزمت حقيبتي لأعود الى الموصل بعد رحلة سريعة استغرقت أسبوعا الى البلد المثير للجدل (البوسنة والهرسك).
ماذا سأكتب؟
الرحلة مليئة بالمواقف المؤثرة والتجارب الإيجابية لحياة ما بعد الحرب، التي كنت اظن أن من المستحيل أن يصل اليها أي مجتمع عاش الحرب لكني أدركت خطأ ذلك بما وصَلت اليه البوسنة اليوم.

كانت البوسنة والهرسك في مخيلتي عبارة عن صور سوداوية: حرب، صراع وضرورة جهاد من اجل نصرة الاسلام والمسلمين، بسبب ما كان يعرض من برامج في التلفاز او يُقال في منابر الوعظ الديني المتشدد في ذلك الوقت بمدينة الموصل التي تبعد عن سراييفو مسافة 2935 كم تقريبا.

كما قرأت عن حرب البوسنة والهرسك التي استمرت ثلاث سنوات من 1992-1995، حدثت خلالها أبشع الجرائم والانتهاكات ضد الإنسانية، صور ومشاهد مرعبة من الدمار التي طالت كل شيء، وقد صارت مألوفة لي بعد سيطرة تنظيم “داعش” على الموصل لنحو ثلاث سنوات، تخللتها حرب طاحنة.
ولتلك الأسباب وغيرها كنت اقارن بين الموصل والبوسنة طيلة الرحلة ؟


لعب الاعلام دورا كبيرا في إشعال شرارة الحرب البوسنية بتأثيره سلبياً على المجتمع من خلال تأجيج خطاب العنف والكراهية.
“كنا نتكلم عن الحرب قبل بدايتها، والحديث عن التوتر بين الشعوب هو السائد حينها، وجهد الاعلام مركز على الكراهية، اما اثناء الحرب تحديداً عام 1992 عملت وسائل الأعلام على نشر الدعاية الحربية وفبركة الأخبار، كان هذا العمل اشبه بواجب وطني بالنسبة لبعض الصحفيين اما الذين لم يتماشوا مع هذه السياسة اضطروا لترك البلد”، هذا ما قالته الصحفية (ياسمينا) التي عملت مراسلة حربية خلال الحرب.

وأضافت وهي تعرض تجربتها، “الخطابات السياسية أشبه بمفاعلات نووية تؤجج الصراع والكراهية”.

وهذا حال العديد من وسائل الأعلام العراقية والموصلية قبل حزيران/يونيو 2014، إذ لعبت دور تأجيج طائفي وعنصر على نطاق واسع، وبمستوى أخطر بكثير من تجربة البوسنة، على اعتبار أن وسائل التواصل الاجتماعي عقدت الأمر كثيرا.

وثمة سؤال خارج عباءة الحروب التي تتشابه في بشاعتها وفيما تتركه من مخلفات، لكن هل تترك الحروب نتائج متشابهة؟


في الموصل حيث اكتب هذه الكلمات، وقد انتهت الحرب قبل عام من الآن، نواجه تحديات كثيرة خاصة ما يتعلق بالتخلص من الأفكار المتطرفة، ولا بد من تفعيل دور “الصحافة الإيجابية” لنشر السلام بعدما تم توثيق جزء من الجرائم التي ارتكبها التنظيم وكوارث الحرب ومخلفاتها، لأن كل حرب منتهية لامحالة، لكن الأهم ما بعدها، بالضبط هذا ما يذهب اليه الأكاديمي والشاعر كوران سيميتس، الذي وثق المئات من قصص ضحايا الاغتصاب التي حدثت في البوسنة خلال الحرب.

يقول سيميتس: إن الإيجابية الوحيدة للحرب هي أن لها نهاية، وأن الحقيقة والعدالة امران مهمان لكن العدالة أهم من الحقيقة في العمل، بالتالي إن الأهم من وقف الحرب هو العمل لما بعدها، والبدء في توثيق الحقائق والجرائم مهما كانت مرة، وممارسة الضغوط على المؤسسات للاعتراف بها ومحاكمة مرتكبيها من المجرمين، لأن تركهم يتيح لهذه الجرائم أن تتكرر، والتركيز على تحقيق العدالة الانتقالية، وكيفية التعامل مع الضحايا.

ويضيف، يجب العمل على زيادة الوعي لدى المجتمع لكي يدرك الجميع بأن “الحرب ليست حلاً لأي مشكلة”.

السيد فاروق رئس نادي الصحفيين البوسنيين في موستار التي عانت كثيرا من الحرب، يقول إن المدينة الصغيرة كانت ميدانا لأشرس المعارك في البلقان ككل وليس في البوسنة فقط، والأكثر تدميراً على مستوى الدولة، تشبه العراق وسوريا حالياً ولا أحد يصدق ان موستار التي تعد مقصداً لآلاف السياح كانت ساحة معركة يوماً ما، أنا واثق من ان هناك فرص وعمل وانجازات ستحصل في العراق أيضا.

وأضاف “العراق مهد الحضارات، والحضارات تنتج بالأفكار، ولا أحد يستطيع أن يقتل الحضارة”.

هذه وقفات سريعة، لشهادات من زمني الحرب والسلام في البوسنة والهرسك، ربما يأتي اليوم الذي ندلي فيه بشهاداتنا عن الحرب وما بعدها في مدينة الموصل، أعرف جيدا ما جرى في الحرب في مدينتي، لكن لست متأكدا بعد ما ستكون عليه شهادتي عما بعدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى