صاغة الذهب الصابئة… نسيج اجتماعي اثمن من الذهب والصياغة اليدوية مازالت حاضرة

 

المنصة – وحيد غانم

يتلمّس كريم سماري عجيل الرجل الستيني الذي امتهن الصياغة منذ نعومة اظفاره ادواته البسيطة في ورشة صغيرة تقبع في اخر محل الصياغة خاصته، ادوات تتحكم فيها النار لإذابة المعدن الثمين.

امتهن اسلاف كريم سماري صياغة الذهب منذ الاربعينيات، وقبلها كانوا يعملون بالصيد والزراعة في اهوار العمارة والناصرية وسوق الشيوخ إضافة إلى عمل الادوات الزراعية البسيطة والحدادة وصناعة القوارب الصغيرة، ثم انتقلوا للعمل مع اليهود في صياغة الذهب وتوارثوا تجارتهم بعد تهجير اليهود.

تصف مدام ديولافوا الرحالة الفرنسية المعروفة التي زارت البصرة عام 1881 المدينة بـ “فينسيا الشرق” وتؤكد وجود طوائف كثيرة متعايشة بينهم الصابئة الذين يعملون مع اليهود في صياغة الذهب، وتقول “انك تجد النساطرة والسنة والشيعة والبابية والوهابية والمسيحية الرومية والمسيحية الكلدان والصابئة واليزيدية واليهود والأرمن وغيرهم متعايشين بسلام”.

يقول سماري الذي يعد اقدم صائغ ذهب في العشّار بمدينة البصرة “لم افكر بترك البصرة مطلقا برغم اني زرت الكثير من دول العالم وأفراد عائلتي يتوزعون على الدول الأوربية واستراليا وكندا، لكني باقٍ برغم الحروب والنزاعات فهذا وطننا الأصلي”.

وحول طرق عملهم قديما يقول لـمراسل ” المنصة” ” كان “عملنا يتمثل في صياغة الذهب ونقشه بشكل يدوي، باستخدام المطرقة والسندان والسحب والسلك فيتم سحب المعدن بآلة تدعى الكلابة وكنا نستخدم موقد طين لتذويبه إذ يوقد فيها الفحم وعليها طاق حديد”.

تبدو أدوات الصياغة اليدوية القديمة مختلفة وبدائية جدا وعلى سبيل المثال هناك “الجراب” التي توضع بفتحته قنينة زجاج ويتم النفخ من خلاله لتذويب الذهب وسكبه وطرقه، وكان الصاغة القدماء يفترشون الارض اثناء العمل، بينما يضع الصائغ وعاءً بين ساقيه”.

ويعرض سماري بعض المصوغات القديمة ويقول “هذه نماذج من القلائد والمصوغات التي تضعها النساء على الانف كما وتستخدم بعضها لتثبيت غطاء الرأس”.

وهناك من بين المصوغات أجراس تخص الاطفال حديثي الولادة ويضعونه في فراش الطفل او يلبسونه له في يده لتجنب الحسد، اما تذويب الذهب قديما فغالبا مايتم عن طريق اشعال نار كثيفة من بقايا روث الحيوانات.

وهو يقول أن صياغة الذهب لم تكن واسعة ومختلفة الاشكال آنذاك. قديما كانت الناس تطلب من الصائغ عمل ” خشل” لهم ويجلسون جواره الى ان ينتهي من عمله، كما أن استيراد سبائك الذهب يجري عن طريق البنك او بعض التجّار يوميا.

وكان يتم استيراد بعض المخشلات أي الذهب المستعمل كالليرة وتسمى الليرة الجلوبية نسبة لتجّار الذهب من عائلة جلوب، وغالبا ما تكون من عيار ( 12 و 18 و 21 و 23) كان هناك تجّار ذهب من الطائفة الصابئية يزاولون المهنة الى جانب يهود البصرة.

لكن الأمور اختلفت اليوم فالصاغة حاليا لا يفقهون بالأساليب القديمة في الصياغة، ولم تعد صياغة وتجارة الذهب تقتصر على الصابئة بل يزاولها المسلمون والمنافسة قائمة بينهم.

يجري استيراد الذهب من دبي وتركيا والكويت وسنغافورة وسواها. لكن سماري يؤكد أنهم يعانون من التأخير ودفع ضريبة (5% ) اضافة الى اجور النقل ” يكلفنا ايصال الكيلو غرام الواحد من الذهب قرابة( 900 ) دولار، ونحن نتكلف اكثر من سعره المعلن عنه في البورصة”.

ولا يبوح الشيخ مازن نايف كبير الطائفة بعدد من تبقوا، لكن المصادر تفيد أن تعدادهم قرابة أربعة آلاف بعد أن كانوا أضعاف ذلك، وهي طائفة دينية غير تبشيرية تعتمد في طقوسها على الماء لذلك سكنت قريبا من الأنهار جنوبي العراق.

وبحسب رأي الشيخ مازن نايف فأن المعاناة لا تقتصر على الطائفة المندائية وحدها لكنهم بحكم مهنتهم معرضون للابتزاز باعتبار انهم يعدون من الاثرياء.

ويدفع سجاد موحي خفي بابنه الاصغر ساجد إلى تعلم حرفة الصياغة على يد اخواله وهو يقول حول ذلك “نحن لا نتخلى عن مهنتنا لكنها صعبة وفيها كثير من الفن ويجب ان يكون التمرّس عليها منذ الصغر لأننا نتعامل مع مادة عالية القيمة هي الذهب”.

وينقسم الصاغة في البصرة الى فئتين الأولى الذين يصنعون الحلي والمجوهرات وينقشونها وهؤلاء يعتبرون حرفيين وقليلين ومعظمهم من الصاغة الصابئة الذين مازالوا يحترفون الصياغة اليدوية، والآخرين أصحاب المعارض الذين يتاجرون بالمصوغات فحسب.

واختلف عمل الصاغة في النواحي الجمالية عن السابق إلا أن مادة الذهب كانت افضل قبل 2003، كما يرى ساجد الصائغ الشاب، فالمواد كانت تخضع للرقابة الشديدة، في حين أن (90%) من الذهب يدخل حاليا عن طريق التهريب من شمال العراق ومطار النجف، ولا يجلب التجّار الذهب الغالي بل المناسب لحال القدرة الشرائية للسوق، كما يتم صهر الذهب المستورد وتعاد صياغته كذهب عراقي”.

“الطائفة الذهبية” هي التسمية الشائعة للصابئة المندائيين تلك الطائفة التي هاجر الكثيرين منها ما زال افرادها ينتشرون في سوق الصاغة ويديرون تجارتهم إلى جانب المسلمين وبعضهم اعتاد العمل في يوم عطلتهم، الأحد، بسبب شدة المنافسة.

 

 

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. Hi all, here every person is sharing these experience, thus it’s nice to read this blog, and
    I used to go to see this webpage all the time.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى