المدكوكة… سعرات حرارية غنية بالزيت والسكر تستهوي الضيوف

 

المنصة – كمال العياش

 

ينتظر السكان المحليون في مدينة هيت الشتاء بفارغ الصبر، ليشهدوا احياء تقاليد وفعاليات توارثوها واعتادوا عليها ومنها صناعة المدكوكة، احدى اهم وأشهى الحلويات العراقية التي تتميز بنكتها وسهولة تحضيرها.

اكتسبت “المدكوكة” تسميتها من عملية الدق المتكرر بعصى خشبية يصل طولها الي مترين تسمى “الميجنا”، لخليط التمر والسمسم الذي يتم وضعه في اناء أسطواني خشبي يصل ارتفاعه الى (أربعين سنتمتر) يسمى “الجاون”، وعملية التحضير لها في مدينة هيت تتطلب طقوسا خاصة، اذ يجتمع العشرات من أهالي المدينة للحصول عليها، بعد ان يساهموا في صناعتها.

يستخدم في صناعة “المدكوكة” أنواع محددة من التمور لاسيما “الزهدي الجاف”، إضافة الى السمسم المقشر والذي يتم تحميصه مع اضافة بعض المطيبات مثل الهيل وحبة الحلوة، ويقدم الخليط المتماسك في الغالب على شكل كرات صغيرة، الا ان بعض العائلات تفضل تقديمها على هيئتها التي خرجت بها من الجاون، ليترك للضيف حرية الاختيار، حسب الرغبة والحاجة.

في مشهد قد لا نراه يوميا يجتمع أبناء المدينة في منزل أحد الوجهاء او ممن عرف بإحيائه لهذه العادات، اذ يتناوب الجميع على مسك “الميجنا “ويدقوا دقات متعددة ومتتالية خليط التمر والسمسم، الذي يتولى وضعه على شكل دفعات في “الجاون” أحد كبار السن، وأحيانا يقدمون صاحب المنزل لهذه المهمة تقديرا له على دعوتهم.

“اشعر بالسعادة وانا اشاهد عدد من أبناء مدينتي يجتمعون في منزلي لتناول المدكوكة” يقول الحاج أبو وليد أحد وجهاء المدينة، وهو يصف لنا حالة الفرح التي يعيشها الجميع في أمسية مميزة قائلا “صناعة المدكوكة تستغرق من ساعتين الى ثلاث ساعات، الا انها من أجمل الاوقات التي نقضيها بصحبة الأحبة والأصدقاء، اذ نتجمع حول المدفأة النفطية التي تتوسط مجلسنا والى القرب منها يتناوب الجميع علي مسك الميجنا لدق “المدكوكة”، تمر تلك الساعات وكأنها لحظات”

ويضيف قائلا، “نؤيد من يقول ان “المدكوكة” سهلة التحضير، الا ان صناعتها في مدينتنا تتطلب جهدا وصبرا كبيرين، ووقتا كثيرا لإعدادها نستثمره بالحديث والنقاش في مختلف القضايا، حتى يتماسك خليط السمسم مع حبات التمر، لينتج نكهة وطعما مميزين، نقدمها للضيوف ساخنة ولذيذة”.

“المدكوكة” والامسيات التي يجتمع فيها الأقارب والأصدقاء تعني كثيرا لأهالي مدينة هيت، اذ تمثل للشباب التاريخ والتراث الذي يفتخرون به، وهم يشاهدون كبار السن في حالة من الاعتزاز بمدينتهم وتراثهم، اما كبار السن فتمثل لهم حلقة وصل بين جيلهم وجيل الشباب.

الحاج حمدي الهيتي، أحد وجهاء المدينة ومؤرخيها، يجد في ديمومة هذه الامسيات بهذه العادات هي محافظة على ارث المدينة التاريخي، ويؤكد ان، “هذه الامسيات لا تخلوا من حالات السمر التي اعتاد عليها أهالي المدينة منذ عقود، اذ تعد مناسبة مهمة يجتمع فيها الماضي بالحاضر، لرسم المستقبل للأجيال القادمة التي يراد لها المحافظة على المدينة وتراثها التاريخي”.

وعلى الرغم من وجود الآلات والمكائن التي تنتج وبسرعة كميات كبيرة منها فحلاوتها ونكهتها التي تصنع بالأدوات التقليدية “الميجنا والجاون” تنافس اجود أنواع الحلويات العراقية والاجنبية.

عبد الله البندر أحد السكان المحليين لمدينة هيت، يرى ان إصرار مدينة هيت على صناعة المدكوكة بالطرق التقليدية القديمة اكسبها شهرة وتميزا، وأصبحت هدية مميزة وفريدة تقدم للأقارب والاصدقاء خارج مدينة هيت.

البندر أشار الى ان “غالبية المحافظات العراقية تصنع الحلوى ذاتها ومنهم من يسميها بحلاوة التمر، حتى ان العائلات العراقية من الممكن ان تصنعها في المنزل باستخدام “الهاون” المصنوع من النحاس والذي يعد من أدوات المطبخ المهمة”

ويؤكد قائلا ان “المدكوكة التي نتناولها في هذه الجلسات لا يمكن لك ان تجدها في الأسواق، فهي تحضر خصيصا على هامش تلك الامسيات، وان كانت بعض العائلات ممن تمتلك الجاون والميجنا من الممكن ان تصنعها في المنزل الا ان نكهتها فريدة في هذه الامسيات.

ووفق المثل الذي يقول “القرد في عين امه غزال” كنت اظن ان أهالي مدينة هيت يبالغون في وصفهم للمدكوكة، حتى قدم لي طبق كبير وضع فيه خليط التمر والسمسم المتماسك لاقتطع منه حسب رغبتي وحاجتي، وما ان تذوقت، ايقنت ان غزالهم لم يكن قردا.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى