عمال المساطر… وجه آخر لمجاعة منسية

المنصة – أيوب الحسن

يتكئ أبو احمد على حافة الرصيف، متأملاً بصمت لساعات طويلة وبملابس رثه مخصصة للعمل، مُقلباً رأسه يميناً ويساراً طوال الوقت على امل ان يرى عجلة قادمة من أي جهة من التقاطع الذي يتواجد قربه، علها تقف بالقرب منه ومن زملاءه الذين يشاركوه نفس البقعة التي يتواجدون فيها في “مسطر العمال”.
أبو احمد ذو الأربعين عاماً يردد لكل من يمر بقربه متجهاً للتبضع “تحتاج عامل حتى لو بـ 5000 الاف دينار اطلع وياك”؟ فهو يستعطف المارة بعبارته تلك لعله يجد من يتلقفه لينقذه قبل نهاية اليوم وليعمل أي شيء له ويعود بمبلغ بسيط لعائلته قبل مغيب الشمس بعد يوم طويل من حظر التجوال وانقطاع سوق العمل في جميع المجالات.
حظر التجوال الذي قارب على إتمام الشهر الأول له اختلف في تأثيره وتبعاته عن سابقه في السنوات التي مرت على العراق من فرض عدة أنواع للحظر، فمنها ما كان يفرض لدواعي امنية ومنها لهجمات إرهابية او يفرض لإجراء الانتخابات البرلمانية او لأداء طقوس دينية معينة ولأيام محدودة، وفي جميع الحالات يعرف المواطن البسيط كيف يتصرف ويتكيف معه او يتعامل مع متطلباته.
يقول أبو احمد” بعدما تجمع حوله عدد من العمال لسماع حديثنا “لم نعمل منذ عدة أيام ولا يوجد في جيب أحدنا مبلغ يتجاوز الفي دينار، والجميع يعرف اننا أصحاب دخل يومي، فأما ان نعمل واما ان نعود لمنازلنا بلا طعام لعائلاتنا واطفالنا”.
الخال أبو علي من أقدم عمال المسطر ويبلغ من العمر (57 عاما) يتحدث بصوت مرتفع من بين عشرات العمال قائلاً “أتمنى ان يلتفتوا لنا هذه المرة ويمنحونا ولو شيء بسيط من المال لنعود الى منازلنا، فلا أناس يأتوا الينا ليأخذونا للعمل لديهم ولا قوات امنية تتركنا في هذا المكان وتقوم بتفريقنا في كل ساعة”.
على بعد أمتار من الموقف الذي جلس فيه العمال توقفت سيارة خصوصي قال أحد الجالسين فيها “احتاج اثنان من العمال”، فهبت على الفور مجموعة كبيرة من العمال مختلفي الاعمار بين كبار السن والشباب واحاطوا بسيارته يتوسلون اليه اختيار احداً منهم لكنه لم يستطع وسرعان ما غادر المكان، كان المشهد محزنا لعدد كبير من العمال الذين يركضون خلف عجلته ولمسافة طويلة حتى أنهكهم التعب فعادوا للاستراحة على حافة الرصيف.
ضحك أحدهم ويدعى سعد وهو شاب متزوج حديثاً وحاول صنع جو من الفكاهة بالقول “الحمد لله ركضنا اليوم ماراثون خلف السيارة، ولعبنا رياضة أفضل من جلوسنا الطويل على الأرض والاصابة بمرض كورونا”.
يقول سعد “إذا كان الخريج لا يمتلك تعيين فمن سيلتفت لحالنا، فالموظف يمكن ان يحصل على راتبه الشهري، لاحقا اما نحن فمن يؤمن لنا ولعائلاتنا لقمة العيش لنعود لهم اما سالمين او مصابين بهذا المرض الذي تسمونه كارونا”.
المسطر الذي يقف فيه هولاء العمال يقع في جانب الكرخ، وتشاطره الظروف ذاتها أماكن أخرى تعج بمجاميع كبيرة للعمال وأبرزها مسطر ساحة العروبة في مدينة الكاظمية، والمسطر الأبرز في جانب الرصافة الواقع في ساحة الطيران، ذلك المكان الذي لم يكتفي بزخم العمال فيه، بل تعرض لعدة هجمات إرهابية بالمفخخات والعبوات الناسفة في السنوات السابقة أدت الى خسائر بشرية كثيرة في تلك الطبقة التي تصنف بأنها مجاميع بشرية تعيش تحت خط الفقر حسب التصنيفات العالمية.
قارب النهار على ختامه وانحدرت الشمس نحو المغيب وبدأ العمال بمغادرة المكان فُراداً كلاً حسب الجهة التي قدم منها، فمنهم من جاء من مناطق أطراف بغداد سيراً على الاقدام وانتظر لساعات النهار بأكمله، ومنهم من يسكن المناطق القريبة ويبقى محاولاً حتى اللحظات الأخيرة لبدء التشديد في حظر التجوال لعله يجد من يأتيه ليأخذه لعمل يحصل منه ولو على مبلغ العشاء لعائلته.
وقبل المغادرة يختتم أبو احمد يومه بالقول “هذا مكاننا وهنا نهايتنا، فلم يعد كورونا او غير كورونا يهدد حياتنا، فنحن مهددون في كل لحظة بالانقراض والجوع ان لم نجد قوت يومنا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى