عمال النظافة… صائمون يعملون تحت اشعة الشمس لا يأبهون بوباء كورونا

المنصة – مهدي الساعدي ومرتضى الحدود

اطلق حسام جبار (36 عاما) منبه السيارة بضجر وهو يتثاءب بعد ليلة متقطعة من النوم امتدت حتى انتهاء السحور، إذ تأخر رفاقه الذين ينقلون أكياس النفايات من حاويات المنازل الى السيارة التي يقودها لذلك أراد تنبيههم.

حسام يعمل سائق لسيارة النظافة التي اعتادت ان تجوب شوارع الاحياء السكنية بشكل يومي و يعيل بمرتبه المتواضع زوجه واربعة أطفال، إذ تدور سيارته في الشوارع الفارغة من حركة المارة و الخالية من ضجيج الستوتات، بعدما غفت الطرقات في الصباح الباكر عقب ليلة صاخبة من حركة الأطفال وهرولتهم خلف المسحراتي.

جمع النفايات في رمضان يكون عادة اصعب من غيرها من الايام و المواسم بسبب كثرة مخلفات العائلات، وتسير السيارة المخصصة لجمعها ببطء، يحيطها اربعة عمال يتناولون أكياس النفايات من الأهالي ويضعونها في السيارة، فيما تضع بعض العائلات نفاياتها في حاوية صغيرة عند الباب ليضمنوا تخلصهم منها حتى وان كانوا نائمين اذ يقوم العمال بما يجب.

رفاق حسام لا يميزهم زي عمل سوى سترات الوقاية التي يرتدونها على ملابسهم و احذيتهم الرياضية، التي تكون اكثر عرضة للتلوث بمخلفات النفايات، و القبعات الشبابية التي لا تفارق رؤوسهم، فهي تتناسق مع نقاب وجوههم الذي استعاضوا به عن ارتداء الكمامات، و عادة ما تكون ايادي معظمهم عارية غير مكترثين مع ما يتعاملون معه من مخلفات، قد تكون ملوثة.

محمد كريم (28 عاما) احد افراد طاقم سيارة النظافة التي يقودها حسام، يقول “اللثام يحمينا من غبار الشارع و يقينا من رائحة النفايات، و نستتر به احيانا من بعض الأشخاص الذين يمكن ان يتعوفوا علينا بسبب خجلنا من نوع العمل الذي نقوم به فيما لا يأبه آخرون بالأمر ولا يمانعون في تعرف الناس اليهم”.

مع انتصاف النهار يبدأ الارهاق برسم ملامحة على وجوه رفاق حسام الصائمين، لتمثل لهم ظلال البيوت العالية ملاذا من لسعات الشمس الحارقة، و محطات استراحة يلتقطون خلالها انفاسهم، بعد فترات متعبة و هم يجلسون على الأرض، بينما يوقف حسام سيارته وسط شارع الحي، و هو ينتظر ليكمل رفاقه القاء حاويات النفايات في السيارة و لكن الموقف يكون اطول عادة.

ينتظر رفاق حسام موقفا آخر بعد الانتهاء من جمع حاويات المنازل، متمثلا بجمع و تعبئة النفايات التي تراكمت بسبب القاءها في اماكن عامة، الامر الذي يستلزم من طاقم النظافة جمعها بمجرفة ونقلها الى السيارة.

مواقف كثيرة تواجه اعضاء طاقم النظافة، اختصرها الشاب العشريني تحسين الذي يعمل ضمن فريق سيارة حسام بالقول “نتعرض دائما للكثير من حوادث جمع النفايات، منها التعرض للجروح بسبب ادوات جارحة مثل الزجاج او الواح معدنية، و احيانا التلوث بالنفايات السائلة، التي تتناثر على ملابسنا بسبب وضعها في اكياس سريعة التمزق”.

ازدياد وتيرة العمل بسبب زيادة حجم مخلفات المنازل، الناتجة من اعداد وجبات شهر رمضان المبارك اثقل كاهل عمال النظافة، و هم يعملون نهارا رغم الصيام، و لولا تفانيهم في العمل لامتلأت الشوارع بالنفايات و المخلفات.

بعد انتهاء عملهم يعود حسام و رفاقه الى منازلهم و هم منهكوا القوى، لتكون بأنتظارهم حملة تنظيف اخرى متمثلة بتنظيف اجسامهم و ملابسهم، من ملوثات النفايات.

عامل نظافة في زمن الكورونا
لم توقف جائحة كورونا عامل النظافة “احمد” عن الاستمرار في ممارسة مهنته إذ يقوم بجمع النفايات المتناثرة في الشوارع والأزقة ووضعها في حاوية خاصة لتنقل بعدها إلى موقع الطمر الصحي المخصص لها، وما بين أكوام النفايات تقضي ساعات عمله اليومي.

اعتاد احمد ان يخرج من منزله الذي يبعد عن محل عمله عدة كيلو مترات ويستقل سيارة النقل العمومي او سيرا على الأقدام ليوفر بعض المال الذي يحمله ويبدأ عمله في ساعات الظهيرة حسب ما قرره القسم الخدمي للتنظيف.

يرتدي احمد كمامة للأنف والفم وقناع وقناع للوجه مصنوع يدويا من القماش المستعمل والذي يزداد تلفا لكثرة استخدامه ثم يعتلي منصة حديدية في الجهة الخلفية للسيارة الخاصة بنقل النفايات إذ تزكم الروائح المنبعثة من النفايات انفه.

التجاعيد حول عيني الشاب تمنحه عمرا يفوق يفوق أقرانه العشرينيين لشدة تعب المهنة وزيادة ساعات العمل وحتى اثناء حظر التجوال الشامل لم يتوقف احمد واقرانه عن العمل، فهو يقوم مع معداته (المكنسة العمودية) وأداة الجرف (المسحاة) بعمله الصعب لينزل مسرعا من السيارة كي يجمع تلك النفايات المتناثرة ويضعها في حاوية وضعت بالقرب منها لترمى بعد ذلك داخل حوض المركبة.

احمد يقول انه بكامل قواه البدنية ويستطيع العمل من اجل قوته اليومي رغم ان مرتبه متواضع ولا يتجاوز (350) الف دينار عراقي، ويضيف “يقدم لنا بعض السكان في الاحياء التي نجوبها الطعام والشراب والبعض منهم يعطينا المال والملابس، دون ان نطلب”.

عامل التنظيف الذي يتعامل مع سموم قاتلة يتوقع ان يتم الاستغناء عنه في اي لحظة عندما يخالف الضوابط الموضوعة او يتخلف عن الحضور فصفته المهنية كأجير يومي تتطلب منه الحضور يوميا من دون عذر وان تخلف يوما واحدا لسبب او دون ذلك يتم خصم هذا اليوم من المرتب الشهري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى