سائق سيارة نقل موتى كورونا في ذي قار يشعر بالإحباط ويسرد للناس قصصا مخيفة

المنصة – مرتضى الحدود

في كل يوم تقريبا تمسح عيناه منظرا واحدا مستمرا لأشخاص يقفون متباعدين، مفجوعين، وهم يودّعون احبتهم دون أن يتسنى لهم ملامستهم خوفا من الاصابة بفيروس كورونا.

يقود علي ناصر عربة مخصّصة لنقل ضحايا وباء كورونا بين محافظة ذي قار ومقبرة النجف. الاسعاف الصندوقية المبرّدة قطعت يوميا تقريبا وعلى مدار الاشهر الماضية رحلة الألم والخوف بالنسبة لسائقها.

علي في الثلاثين عمل سائق اسعاف في الطبابة العسكرية التابعة للحشد الشعبي وبرغم انه عاش أقسى مشاهد الموت، إذ تولى نقل ضحايا الحرب على تنظيم داعش، إلا ان الموقف الحالي اختلف لديه فهو يرى ان المواجهة السابقة كانت مع عدو معلن، اما الان فهذا العدو غير مرئي ويهدد الجميع بدون استثناءات.

ويروي علي حكاية ساعات الصباح الاولى منذ ايقاف سيارته عند دائرة الطبابة العدلية الخاصة بترحيل جثث الموتى قائلا أن ” الأمر مقلق دوما لي” فيقوم بتعفير كامل جسده وارتداء البزّة البيضاء الواقية والكمامة الصحية والكفوف والحذاء الخاص، ثم يعفر العربة والجناح المبرّد الخاص بنقل الجثث.

ويقول لمراسل ” المنصة ” عن الاجراءات المتبعة “غالبا ما اتوجه برفقة احد ذوي المتوفى وبحضور منتسب في مستشفى الحسين المركزي وسط مدينة الناصرية، الى ثلاجة الموتى والمكونة من عدة أدراج كبيرة مغلقة، لتسلم الجثة الموضوعة في كيس اسود ليتم نقلها من بعد الى سيارة الاسعاف”.

وتأتي محافظة ذي قار بالمرتبة الثانية بعد العاصمة بغداد في اعداد الموتى بسبب وباء كورونا اذ ارسلت (300 ) ضحية في شهر واحد ليدفنوا في النجف، إضافة إلى تردي الخدمات الصحية المقدمة للمصابين. بينما ساعد عدم اكتراث الناس وتكذيبهم المناشدات الصحية وردها الى دوافع سياسية على انتشار الوباء، إذ سجل قضاء سوق الشيوخ وحده معدل 80 بالمئة من الاصابات بين سكانه.

وتزداد مشاعر الألم التي تجتاح سائق عربة الموتى يوما بعد آخر، حين تزداد رحلاته على الطريق الرابط بين ذي قار والنجف متجها نحو المقبرة وحاملا خمس جثث في كل وجبة، وهو ينقل ضحايا لم ينالوا طقوس الصلاة والتشييع المعتادة بين أهاليهم.

ويقول حول تلك الرحلة “انطلق بعربتي نحو مقبرة وادي السلام في النجف برفقة جثث موضوعة في صندوق مبرّد دون ان يؤنس وحدتي أحد فأكون برفقة موتى الوباء فحسب، وعلى مبعدة امتار تلحق بي سيارة او سيارتين تقلان اقارب المتوفى الذين ينتهي مسارهم في نقطة تفتيش منطقة ” الكفل” عند مدخل مدينة النجف إذ يمنع عبورهم، فأكون المؤتمن على دفن موتاهم والمودع لهم في مثواهم الأخير”.

بعد نقطة الكفل يتبع علي ناصر بعربته مسارا مخصصا عند العمود المرقم ( 270 ) الواقع بين النجف وكربلاء وهو من النقاط الدالة في موسم الزيارات للمراقد المقدسة، والذي يوصله الى مقبرة موتى كورونا الجديدة المكتظة.

ويضيف “اسلم الجثث هناك الى فريق يتولى دفنها، وهؤلاء محتاطون أيضا بارتداء اللباس المخصص، فيتولون تغسيل الميّت وتكفينه والصلاة عليه وما ان يكملوا طقوسهم حتى ينطلق حفار آلي بحفر القبور بعمق كبير وبمسافات متباعدة، ثم تبدأ عملية انزال التوابيت الواحد تلو الآخر في الحفر التي يتم تعفيرها أيضا”.

قلب وباء كورونا الموازين، فلم يعد ثمة وجود لحفاري القبور المعروفين. أما الميت فيدفن بتابوته ويتم تعفيره حتى في قبره ويهيل الحفّار الآلي التراب فوقه بعد ان يتلو احدهم ايات قرآنية وأدعية ثم يبنى القبر بعلو صغير .

ويعود سائق عربة موتى كورونا أدراجه بعد ان اكمل واجبه، لكنه لا يعود إلى بيته الذي فارقه منذ شهر. ويقول عن ذلك ” فضلت البقاء في مقرّ الاسعاف الفوري خشية نقل العدوى إلى عائلتي، كما أني بالكاد أنام بضع ساعات يوميا، بينما امضي وقتي بين ثلاجة الجثث في ذي قار ومقبرة وادي السلام في النجف. لقد نقلت وحدي أكثر من (150) جثة حتى الآن”.

بعض العائلات المعدمة لا تملك المال الكافي لاستئجار سيارة ترافق فقيدها في رحلته الى المقبرة ويقول علي ناصران أحدى العائلات التي تسكن العشوائيات استأمنته على ايصال فقيدها إلى مقبرة النجف، لأنهم لم يتمكنوا من مرافقته لعم توفر المال لديهم لاستئجار سيارة. وقال” كان المتوفى معيلهم الوحيد، لذلك طلبوا مني دفنه والعودة بوثيقة الوفاة لهم”.

وفي الآونة الأخيرة جرى تخصيص عدة عربات لنقل الموتى فتمكن علي ناصر من العودة الى منزله ليلتقط انفاسه، متخذا من احدى غرف المنزل ملاذا له وليبتعد عن مخالطة عائلته لحمايتهم من العدوى في حال أصيب بها هو.

سائق عربة الموتى اصبح اليوم مرشدا صحيا لكل شخص يلتقيه، موجها الجميع لاتقاء الوباء والالتزام بالإرشادات الصحية وعدم ملامسة جثث الموتى، وهو يعمد إلى سرد قصص دفن الموتى عليهم لعل تلك القصص تعلمهم درسا للوقاية من الوباء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى