بسبب تعدد مراكز القوى في سنجار: نازحون ايزيديون يعلقون أمل العودة على حبل الانتظار

المنصة – نوزت شمدين

عشرون فصيلاً مسلحاً يتقاسمون مسك الأرض في قضاء سنجار، مع إدارتين محليتين متنافرتين تسببتا بتعطيل أعمار ما دمرته الحرب و قطعتا الطريق امام عودة النازحين.

حكومتان محليتان متخاصمتان، أمنٌ على كف عفريت وخرابٌ قائمٌ أجبر عشرات الآلاف على التشبث بمخيمات النزوح في إقليم كردستان وتعليق آمال عودتهم على حٍبال الانتظار. هذا هو الشكل العام لـ سنجار وهي تقترب من الذكرى السنوية الخامسة على تحريرها من داعش.

” لاشيء هناك لأعود من أجله” يقول نايف خدر بمرارة متحدثاً عن مدينته التي عاش فيها لأثنين وأربعين عاماً قبل اجتياح داعش لها في الثالث من آب 2014.

” فقدت أربعة من أفراد أسرتي بينهم شقيقان لي، خسرتُ كل ما أملك وبيتي الآن مجرد ركام. كنا نعتقد بأن الحكومة ستبني المدينة وتوفر فرص العمل وتعوضنا عن شيء من خساراتنا، لكنها كانت أحلاماً لاغير”.

بحسب إحصائيات للأمم المتحدة، فأن هجوم داعش على سنجار تسبب بمقتل (1293) إيزيدياً وخطف (6417)، غالبيتهم نساءٌ وأطفال. ونزوح (360) ألفاً نحو إقليم كردستان. ونحو (120) الفاً هاجروا إلى خارج العراق واستقروا هناك.
ما أن أنقشع غبار الحرب عن سنجار أو كما تعرف بالكردية شنكَال، حتى تبينت أولى ملامح مرحلة ما بعد داعش، بظهور إدارتين للحكومة المحلية مدعومتين بفصائل مسلحة.

الأولى يرأسها القائمقام المعين من الحكومة المركزية في بغداد وأسمه فهد حامد، يشتمل نفوذه على مركز القضاء وجنوبه. والآخر أسمهُ محمه خليل، وهو برلماني سابقٌ معينٌ من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني، ويرتكز نفوذه على المنطقة الشمالية لسنجار.

التعارض بين هاتين السلطتين في القضاء الذي يتبع إدارياً محافظة نينوى ومتنازعٌ عليهِ بين إقليم كردستان والحكومة العراقية، أسهم وبنحو كبير في إبقائها خارج حسابات الأعمار مع إضفاء جو من عدم الثقة بين المكونات التي كانت متعايشة فيها لعقود قبل 2014.

حسو هورمي، رئيس المؤسسة الإيزيدية لمناهضة الإبادة الجماعية يشترطُ تعاون حكومتي بغداد وأربيل ودعماً دولياً مع جملة من الخطوات لإعادة تأهيل المنطقة ” بدءاً من الإنسان وصولا إلى البنى التحتية”.

ويشير إلى أن هجوم داعش خلف جراحاً عميقة نزيفها مازال مستمراً وتسبب بجعل الفرد الايزيدي منعزلاً ولا يثق بشيء من حوله فضلاً عن تداعيات أخرى حياتية واجتماعية وبروز ظواهر وصفها بالخطيرة على المجتمع كالإنتحار والزواج المبكر وتزويج القاصرات و ” الهجرة التي باتت تمزق الجسد الايزيدي”، على حد تعبيره .

وذكر هورمي أن العمل على خلق الاستقرار الاستراتيجي في المنطقة( سنجار وسهل نينوى )في ظل التحديات الاقتصادية و العسكرية والأمنية، يتطلب الإسراع بترسيخ مصالحة ايزيدية – ايزيدية حقيقية وليست شكلية ليُمكن بعدها المطالبة بضمانات دولية كإصدار قرارات أممية تلزم الحكومة العراقية بحماية هذه المناطق وإخراجها عن النزاعات والصراعات بين الفرقاء السياسيين كي لا يصبحوا ضحايا مجدداً. وبخلاف ذلك، يقول هورمي: ” الغالبية الساحقة من الايزيديين سيختارون البقاء في المخيمات باقليم كوردستان وتأجيل بالعودة الى سنجار”.

يقع قضاء سنجار على بعد(127كم غرب الموصل) على الحدود العراقية السورية وسكانها خليط من الإيزيدية يعيش معظمهم في القسم الشمالي ف ناحيتي سنوني والشمال والمجمعات والقرى المحيطة بها ، وأيضاً ينتشرون في القسم الجنوبي في قرى ومجمعات تضمّ العرب السنة كذلك، فيما يقطن مركز المدينة مسلمون وغالبيتهم من السنة، الى جانب عائلات كردية وشيعية وأخرى من المسيحيين والتركمان.

تعدد مراكز القوى

رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، قال في تصريحات صحفية عقب زيارته لمخيم قاديا للنازحين الايزيديين في محافظة دهوك مطلع أيلولالماضي ، أن حكومته ستعمل على حل المشكلة الامنية في منطقة سنجار وإسناد أمر حمايتها لأبنائها.

وشدد على ضرورة عودة النازحين إلى مناطقهم بعد الانتهاء من إعمارها. وظهر في مشهد بثته القنوات الفضائية وسط جمع من النازحين وهو يمسك بيد شاب إيزيدي وقال له: ” ستعودون، هذا وعدٌ مني”.

وعدّ مراقبون وعودَ الكاظمي بالصعبة وستصطدم بحواجز عديدة، منها تعدد القوى المسيطرة على قضاء سنجار، فهنالك عشرون جهة مسلحة متواجدة على الأرض كحزب العمال الكردستاني- البككة- والميليشيات المتحالفة معها إضافة إلى الجيش العراقي النظامي وميليشيات الحشد الشعبي والعشائري. وهي التي أدت إلى وجود حكومتين محليتين في سابقة هي الأولى من نوعها في تأريخ المنطقة، مما عطل عملية إعادة الأعمار وتامين عودة النازحين.

ويحذر خديدا خلف عيدو عضو مجلس محافظة نينوى السابق، من عدم وجود قطعات أمنية-جيش عراقي- قادرة على حفظ الامن في المناطق اﻻيزيدية المحاذية للحدود السورية، مما ينذر بتدهور الأمن في أي وقت ولاسيما أن السكان “لا يثقون بالأجهزة الأمنية الماسكة بالأرض حالياً أياً كان تسميتها” حسبما قال.

وبين خديدا بأن 80% من أصحاب العقارات المدمرة بسبب الحرب في سنجار لم يتم تعويضهم، لكون الحكومة المركزية العراقية لم تخصص لجنة تعويضات لقضاء سناجر بسبب الخلافات بينها وبين إقليم كردستان.

وتابع: “على أية حال، أي من الحكومتين لم تنفذ ولا حتى مشروعاً واحداً في القضاء، وكل ما تم تنفيذه من المشاريع كان من قبل المنظمات الدولية والمحلية”.

واتهم خديدا السياسيين الايزيديين بتفضيل مصالحهم الحزبية على حساب المكون أو المنطقة وقال: “معظم الايزيدين منتمون لأحزاب كردية وحتى القيادة الدينية والأمير الإيزيدي مرتبطان بهذه الأحزاب. بينما الحكومة العراقية تجامل إقليم كردستان وهي غير جادة في حل مسالة سنجار ومشكلتها القائمة”.

حجي إلياس( 36 سنة)من ناحية سنوني في قضاء سنجار ويسكن في مخيم نازحين في أطراف دهوك، قال بأن ” أمر العودة إلى سنجار ليس سهلاً، فأغلبية النازحين وأنا واحدٌ منهم، فقراء معدمين. ونجد في المخيمات من يقدم لنا مساعدات غذائية ودوائية ووقود وفرص عمل في دهوك وأربيل. وأبنائنا يذهبون إلى المدارس. لن نجد كل هذا إذا عندنا إلى سنجار في الوقت الحالي”.

لم يتغير شيء

ويرسم ميسر ألأداني المسؤول الإعلامي السابق لمكتب إنقاذ المختطفين صورة قاتمة للوضع في سنجار بعد سنوات من تحريرها من داعش: ” لم يتغير شيء، فمازال مصير أكثر من(2900 ) ايزيدي من الذكور والإناث مجهولاً. والبيوت والمزارات الدينية مهدمة والقرى الجنوبية خالية تماما من البشر.

قرابة 70% من الايزيديين موجودون في مخيمات النزوح والهجرة على قدم وساق و(80)مقبرة جماعية مكتشفة مازالت بعيدة عن اهتمام حكومتي بغداد وأربيل. ولغاية الآن لم يتم اقرار ما حدث للايزيديين على أنه ابادة جماعية على الرغم من الحراك الدولي والمحلي المستمرين”.

ويضيف الأداني بأن مستقبل الإيزيديين مجهول تماماً، فأغلب المتواجدين في إقليم كردستان تأقلموا مع واقع النزوح وفقدوا الثقة بمن يمثلهم وقال :” لايوجد خطاب إيزيدي موحد، نحن نفتقر إلى قيادة”.

ومن جو العتمة الخانق ذاته ثمة بصيص نورٍ تدلنا اليه الطالبة في جامعة دهوك هيام حسو. إذ تقول بان التجربة المريرة التي مر به المجتمع الأيزيدي جعله يعيد حساباته في الكثير من الشؤون وأهمها رفع الحواجز والقيود عن المرأة لكي تواصل دراستها وتحصل على شهادة جامعية ثم على عمل بموجبها.

” لم يعد العمل المسموح به للمرأة الايزيدية يقتصر على الزراعة والرعي كالسابق، الآن جميع المجالات مفتوحة أمامها لكي تسهم في خدمة مجتمعها كما يجب”، تفاخر هيام بذلك ثم سرعان ما تكتسي ملامحها بالحزن.

وتقول”ضريبة تمكني من الوصول الى الجامعة كانت باهظة جداً، فهنالك الآلاف من نساء الايزيديات اللواتي اختتطفن ومثلهن رجالٌ قتلوا وبيوت تهدمت. لهذا فأن طموحي كبيرٌ جداً لكي رد الدين لمن ضحوا لأجلنا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى