الندافة مهنة تتعافى مجدداً.. بفضل الابتسامة والصبر

المنصة- سعد ناظم  

بين أصوات أغنياتٍ تنبعث من آلات التسجيل في سوق البصرة القديمة، ووسط ضجيج العابرين في زحام الممرات الضيقة، يجلس رجل خمسيني بهدوء وسكينة بين تلال من القطن والصوف في محلّ يتصدر واجهة السوق.

“محمد جبار نفاوة” أقدم نداف في مدينة البصرة، امتهن الندافة في العاشرة من عمره، ورثها عن أبيه الذي كان يزاولها في ثلاثينيات القرن الماضي.

علاقة هذا الرجل بالندافة توطّدت خلال الأربعين سنة الماضية حتى ارتبط اسمه بها، فالجميع هنا في المدينة يضيفون كلمة “النداف” إلى اسمه رغم أنه يعمل أيضاَ أستاذاً لمادة الرياضيات في إحدى مدارس البصرة الابتدائية. 

“لا أحد يناديني بالأستاذ.. الجميع يقولون: النداف”، يعلق ضاحكاً.

أقطان أيام زمان..

يشير “محمد” إلى أن هذه المهنة مرت بمراحل زمنية مختلفة، وفي كل مرحلة كانت نوعيات الأقمشة والأقطان تتغير وكذلك نوعية الأدوات المستخدمة في الندافة. 

ففي فترة الستينيات والسبعينيات كان يعتمد على أقطان “الششتر” إيرانية المنشأ وعلى القطن العراقي ثم على أقطان صناعية أخرى من درجة ثانية مثل قطن “أبو الخيط”. ويؤكد أن القطن العراقي هو النوع المفضل بالنسبة له.

وبينما يضغط على مكابح ماكنته تنفرج أساريره عندما يستذكر ماضي المهنة، وكيف كانت الأقطان  ذات النوعية الممتازة تأتي من معامل الكوت والديوانية والموصل فتحقق اكتفاءً ذاتياً لسكان البلاد. 

تتغير ملامح وجهه بسرعة ويستدرك بأسف: “لم أكن أتوقع أن تتدهور صناعة القطن في بلادنا إلى هذا الحدّ.. وأن نلجأ إلى استخدام أقطان البالات”، قاصدا تلك الأقطان المعاد تدويرها في معامل بغداد.

وينتج العراق في الوقت الحالي كميات محدودة من القطن نتيجة لشحة المياه وانهيار قطاع الزراعة في سنوات الحصار والحروب، وهي كمية لا تتجاوز التسعين طن سنوياً.

بيع على أقساط

بالرغم من أن الندافة حرفة مهددة بالاندثار بسبب التطور الحاصل في أسواق المفروشات ذات المناشئ العالمية، خصوصاً الإيرانية والتركية، إلا أن شبان وشاباتٍ مقبلين على الزواج يأتون إلى محل “محمد” يبتاعون مفروشات بيت الزوجية. 

بحسب قوله فإن “هناك عوائل تأتي من مناطق بعيدة، من أقضية محافظة البصرة ومن محافظات جنوبية أخرى لتجهيز أبنائهم وبناتهم في محلي الصغير هذا”.

ويقدم النداف لزبائنه الشباب تسهيلات كثيرة من خلال السداد الآجل، رغم المخاطر التي تنطوي عليها هذه الطريقة في الدفع ورغم غياب الضمانات. 

يقول “أنا أقدر ظروف الشباب ولا أريد أن أخسرهم ويخسروني، كما أن أصول المهنة تتطلب الصبر والتعاون”.

ويبلغ متوسط سعر المندر (الفراش) المفرد في هذا المحل 35 ألف دينار (حوالي 24 دولار أمريكي) بينما يترواح سعر المندر المزدوج بين 100 و140 الف دينار، وسعر الوسادة الواحدة بين 5 آو7 آلاف دينار. 

مهنة تجلب البركة

لدى “محمد النداف” زبائن قدامى من يينهم مثلاً امرأة جهزت زفافها سنة 1993 من محل والده الحاج جبار نفاوة، وتستمر اليوم بالتعامل معه في تجهيز أبنائها. 

تقول “أنا ممتنة جدا لأسلوب التعامل مع السيد محمد والأثر الطيب الذي تركه هو ووالده في قلوب الزبائن”. ويعلق النداف على كلامها قائلاً: “كان والدي رحمه الله يتعامل مع المسيحيين واليهود والصابئة المندائيين ومختلف شرائح المجتمع، كانوا جميعاً يتبادلون المودة والاحترام، وأنا أحاول أن أكمل رسالته هذه”.

يستذكر النداف محمد جبار نفاوة العمل مع والده في أيام “الكوز والوتر”، في بيوتات أشهر العوائل البصرية الميسورة في الخمسينات والستينات، كبيت الباشا عيان وبيت المنديل وبيت الحمداني وبيت المزروع، وكان الاعتقاد السائد يومها أن تعمل النداف في البيوت يجلب لأصحابها البركة.

“كنت أعمل في بيوتهم من يومين إلى ثلاثة أيام، وبعد نهاية العمل تعطيني تلك العوائل مبالغ اضافية كي أصنع منادر (فرش) وأوزعها على الفقراء ومحدودي الدخل.. لكن هذه العادة اندثرت منذ عقود”.

وكانت عدّة النداف قبل دخول ماكينة الندافة الحديثة تتألف من عصا مرنة من شجرة الرمان وقوس خشبي به وتر معدني مع مطرقة خشبية، يقوم بندف ونفش القطن عند تمريره من خلال الوتر. وجرت العادة أن يتنقل بين البيوت فيجلس ليقوم بعمله وهو يتحدث لأطفال الدار وعجائزه. 

في وداع “الكوز والوتر”

غادر معظم الندافين المحترفين المهنة بسبب وفرة المنتوج الاسفنجي الصناعي ومعامل المفروشات، وبحثوا عن مهن أخرى وحصل عدد منهم على وظائف حكومية، ولم يبق منهم سوى العشرات في عموم البلاد. 

لكن وبحسب “محمد”، بدأت هذه الحرفة تستردّ عافيتها مؤخراً بعد زيادة الوعي الصحي بخطر المشاكل التي يسببها النوم على فراش الاسفنج الصناعي بحسب قوله، ويضيف: “يأتي الكثير من الزبائن إلينا بناء على نصيحة من طبيب العظام.. يطلبون فراشاً من القطن أو من الصوف الطبيعي”.

كما ساعدت الماكنة الكهربائية محمد جبار النداف في سرعة انجاز عمله فترك “الكوز والوتر” وتضاعف إنتاجه حوالي أربع مرات. 

لدى “محمد” أسباب أخرى تجعله سعيداً باستخدام الماكينة، إذ كثيراً ما كان النداف في الأزمنة السابقة يمضي الأيام الأخيرة من حياته مصاباً بالشلل أو بآلام الفقرات، نتيجة للجهد العضلي الذي يتطلبه العمل على الكوز والوتر، أما اليوم فلم يعد يشعر بالتعب كما كان الحال سابقاً.

كنوز مختبئة

“محمد النداف” الذي حصل على البكالوريوس في الرياضيات من كلية العلوم في جامعة البصرة يزاول التدريس صباحاً في إحدى مدارس البصرة الابتدائية، ويعود إلى مشغله بعد الظهر ليلبي طلبيات الزبائن.

يقول “أحب هذه المهنة وأريد الحفاظ عليها.. كل ما يلزمني لذلك هو الابتسامة والصبر واتقان العمل”.

ويستذكر خلال حديثنا كثير من المواقف الطريفة تجعله يزداد حباً لعمله، يروي إحداها وابتسامة عريضة ترتسم فوق وجهه: 

“قبل أيام أتي شخص إلي ومعه منادر لندفها.. وبعد ساعة من رحيله رجع مهرولاً ليقول بأن أمه كانت قد خبّأت مبلغاً من المال داخل الفراش”. 

يتابع وصوت ماكينة الندف يختلط بصوت ضحكاته: “حتى لو كان فيها أموال الدنيا كلها فإني سأعيدها للرجل.. لكن ما وجدناه داخل الفراش لم يكن سوى بعض الأحراز والأدعية”. 

 

                                                                                                                                          

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى