القس بائع الكتب في البصرة: قليل من الكتب وكثير من الانسانية

المنصة- وحيد غانم- البصرة

بدأ القس عمَّار حكمت بيع الكتب في منتصف تسعيينات القرن الماضيمتواجداً وسط مجموعة من باعة الكتب افترشوا رصيف شارع الكويت في مركز محافظة البصرة. وبرغم أنه يرعى اليوم  شؤون الكنيسة الرسولية فهو لم يتخل عن مكتبته الصغيرة بعد أن افتتحها في منطقة تجارية أخرى منذ سنوات.

القس عمَّار في الثامنة والأربعين متزوج وأب لطفلين. المنصة التقت به وحاورته حول تجربته الفريدة كقس بائع للكتب.

ـ أنت تجمع بين كونك راعيا لكنيسة الصخرة الرسولية وتدير مكتبة، من الذي سبق المكتبة أم الكنيسة؟

تأسيس مكتبة كان حلمي منذ نعومة أظفاري، لكني حالياً راعي كنيسة الصخرة الرسولية ( AOG ) ومرسوم لخدمتها منذ عام 2007 وهي البداية الرسمية للكنيسة بعد تثبيت مكانها من خلال تأجير بناية صغيرة لإقامة الاجتماعات للعبادة والصلاة وإجراء المراسيم الأخرى من احتفالات وزواج وتأبين الراحلين.

ـ كم عدد أفراد الطائفة وهل يعود وجودها إلى وقت اسبق؟

حاليا عدد أفراد الطائفة أقل من 30  فرداً إذ اثرت الهجرة على تراجع أعداد المسيحيين بصورة عامة، لكن الطائفة موجودة في العراق قبل 2003،إلا أنه نتيجة الضغوط المفروضة من النظام السابق وحده من الحريات وتحجيم الأقليات الدينية، لأسباب سياسية، تم تحديد الطوائف في العراق بعدد معين من خلال قرار صدر في ثمانينيات القرن الماضي مع الرفض التام للاعتراف بالمزيد من الطوائف وما زال القرار ساري المفعول.

.

ـ مكتبتك تعود لسنوات التسعينيات، كيف خطرات لك فكرة تأسيسها آنذاك وهل تلقيت دعماً من جهة ما؟

ـ لم اتلق أي دعم. بالعكس، في منتصف التسعينات وبسبب  الحصار الدولي الخانق على العراق اتجهت الى بيع مكتبتي الخاصة لتدبر أمور معيشتي، وبعدها من خلال مساعدة بعض الأصدقاء من باعة الكتب، تعلمت مهنة بيع الكتب على الرصيف في منتصف عام1996. كانت بداية بسيطة لكنها مؤثرة في مسار حياتي.

ـ وما هي الكتب التي عرضتها منذ ذلك الحين؟ هل اعتمدت نوعاً واحداً يتعلق بالعقيدة المسيحية؟

ـ تنوعت الكتب المعروضة فشملت الكتب الأدبية والعلمية والدينية، وكان من ضمنها كتاب الإنجيل ومؤلفات حول المسيحية، وبسبب عرض كتاب الانجيل واجهت مضايقات من البعض وليس من أزلام النظام السابق آنذاك. هناك أناس أحاديو التفكير، أقصد أن لوناً واحداً يطغي على أفكارهم فيرفضون تقبل التنوعوبعضهم لا يتخيّل أو يتقبل أن هناك بشراً آخرين يعيشون معهم ولديهم اتجاههم ومعتقداتهم الخاصة.

ـ وهل ازدادت هذه الضغوط ام تراجعت بعد 2003؟

ـ بعد 2003 ازدادت الضغوط والمضايقات وتطورت أحياناً إلى تهديدات وترويج إشاعات واتهامات ضدي من قبل أطراف عديدة، فاتهموني بالتبشير. البعض اتهمني مباشرة والآخر اتهمني مواربةً.

ـ كيف تمكنت من تخطي كل ذلك، وهل ما زال الأمر مستمراً؟

ـ الموضوع كان بسيطا جداً: أنا مسيحي وأعرض كتب ديانتي وعندما يسألني أحدهم عن إيماني وهو يعتقد أن ديني ناقص وأن الدين الاخر سيكمله، إاني قد أصدمه بالقول إن ديني كامل الأركان ولا يحتاج إلى إكمال مثلما هو اعتقاده بدينه، وعليه الاطلاع جيداً. أحاول دائماً التفاهم مع المتشككين على الأمور الأساسية في معتقداتنا، مثلما نحاول نحن تفهم ديانة الآخر.

ـ هل تلاحظ إقبالا على الكتب الدينية المسيحية وهل هناك زبائن من المسلمين؟

ـ أغلب زوّار المكتبة هم غير مسيحيين، أقصد من المسلمين، وهناك خليط منهم، بعضهم مؤمنون يرغبون بمعرفة شيء عن المسيحية، بعضهم متعصّبون والبعض منفتحون كما يتردد علينا شيوعيون وملحدون إضافة إلى لا أدريين، وعلمانيين، وأناس عاديين محبين للإنسانية.

والإقبال الأكثر يكون على الكتب العلمية والثقافية والأدبية وقصص الاطفال التي يتم عرضها بوفرة إلى جانب الكتب المسيحية في مكتبتنا.

ـ هل اكتشفت شيئاً مفيداً في ايجاد مكتبة تعنى بالكتب المسيحية وتقديمها للجمهور في وسط إسلامي؟

ـ أسعدني أن ألتقي بأشخاص كثيرين غيرت الكتب افكارهم وطباعهم. في التسعينات كان إلى جواري بائع كباب، إنسان بسيط بدأ يستعير الكتب مني ومن الباعة الآخرين وقد تغيرت حياته تماماً وبعد سنوات افتتح له موقعاً إعلامياً.

لقد اكتشفت أن التنوع في الحياة أمر مهم جداً، فالمجتمع المنغلق على نفسه يكون مثل النهر الذي ينغلق ولا يقبل التجدد فيصبح مستنقعاً آسناً، كما أن الكتب في رأيي هي نوافذ للخيال والعقل تجعل الأفكار تنطلق وترفع الناس عالياً وتغيرهم روحياًَ ونفسياً وجسدياً وعاطفياً.

ـ هل شاركت في معارض الكتب التي تقام بالمحافظة؟

ـ أتيحت لنا الفرصة اكثر من مرة في المشاركة بمعارض للكتاب في البصرة وكان الإقبال جيداً على الدوام، وكذلك وجدنا الاحتفاء والتقدير من الجهات المنظمة والرسمية لمشاركتنا كجهة مسيحية بصرية.

ـ هل هناك مكتبة مماثلة في بغداد أو أي من المحافظات الاخرى؟

ـ حسب علمي كانت توجد مكتبة مسيحية مماثلة  في بغداد منذ 2004 لكن يبدو أنها أغلقت أبوابها بسبب هجرة المسيحيين وقلة الإقبال على قراءة الكتب، إضافة إلى ارتفاع سعر الكتاب  بصورة عامة.

ـ من هي الجهات الداعمة لكم كطائفة وأيضا كمكتبة؟

ـ المكتبة في البصرة تابعة للكنيسة الرسولية ونحن ككنيسة من يتولى الإشراف عليها ودعمها واستمرار عملها، وهو دعم ذاتي فنحن نموّلها من خلال بيع الكتب التي تعرض فيها.

ـ برغم كل الظروف فإنك لم تغادر البصرة هل لارتباطك برعيتك أم بالمكتبة؟

ـ انا كقس مرسوم وباقٍ في البصرة لأجل خدمة المؤمنين فيها وليس لأسباب شخصية. المكتبة جزء من حلمي منذ الطفولة عندما كنت أطالع المجلات المصورة. وهي جزء من جهدي في إدامة بقائها طيلة السنوات الماضية برغم كل الظروف. الكتاب المقدس يدور حول محبة الله للبشر، قد يكون هناك تعارض في بعض التفاصيل مع الطوائف الأخرى، لكن الاساس واحد. أعتقد أن الانسان مكتبة إلهية عظيمة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى