لقاء بابا الفاتيكان بالسيد السيستاني.. والصراع بين النجف العراقية وقم الإيرانية

المنصة- مصطفى حبيب

ينتظر العراقيون زيارة تاريخية لبابا الفاتيكان فرنسيس إلى بلادهم، والملفت في الزيارة أن البابا سيزور النجف للقاء رجل الدين الشيعي الأبرز علي السيستاني، ما يعطي قوة لمركز التشيع في النجف على حساب مركز التشيع الآخر في قم الإيرانية.

 

في الخامس من الشهر المقبل يزور بابا الفاتكيان العراق كأول زيارة بابوية في التاريخ إلى بلاد الرافدين، وإلى جانب محطته الرئيسية في بغداد العاصمة وبعدها ذي قار حيث مدينة أور موطن النبي إبراهيم، والموصل، ومن ثم أربيل عاصمة إقليم كردستان، فإنه سيتوقف لبعض الوقت في مدينة النجف الدينية للقاء رجل الدين علي السيستاني.

زيارة بابا الكاثوليك الى النجف لن تكون عادية، وتحمل دلالات تاريخية ودينية كبيرة، فالبابا فرنسيس الذي عُرف عنه بدعوته للحوار بين الأديان، وخصوصا مع الديانة الإسلامية، عليه ان يخطو خطواته في هذا المسار نحو المذهبين الرئيسين في الإسلام وهما السنة والشيعة.

زيارة البابا للعراق، ستكون أول زيارة يقوم بها لدولة مسلمة بغالبية شيعية، إذ سبق وأن زار الأردن والقدس ومصر والامارات والمغرب، وجميعها دول مسلمة بغالبية سنية.

وخلال زياراته الى مصر والامارات، التقى البابا فرنسيس مع شيخ الأزهر احمد الطيب أحد ابرز زعماء المذهب السني في العالم، وخلال زيارته المقبلة إلى العراق سيلتقي بالسيستاني أبرز زعماء المذهب الشيعي في العالم، وينافسه في ذلك المرشد الإيراني علي خامنئي.

ويظهر جلياً ان لقاء البابا فرنسيس مع السيستاني، سيعطي قوة معنوية كبيرة لمدينة النجف مركز التشيع، على حساب مدينة قم الإيرانية، المركز الآخر للتشيع، والخلاف الفكري بين المدينتين معروف ويمتد لجذور تاريخية تعود لقرون ماضية.

ويعود أصل الخلاف التاريخي بين رجال الدين الشيعة في “النجف” العراقية، ورجال الدين الشيعة في مدينة “قم” الإيرانية إلى فكرة “ولاية الفقيه”، فالمرجعية الدينية في النجف التي يرأسها السيستاني ترفض وبشدة فكرة “ولاية الفقيه” وتطالب بفصل الدين عن الدولة وتدعو إلى تأسيس دولة مدنية، بينما تتبنى المرجعية الدينية في “قم” بزعامة خامنئي فكرة “ولاية الفقيه” وان يكون الدين أساسي في العمل السياسي.

والأمثلة على هذا الخلاف التاريخي المتواصل عديدة، وأكثرها وضوحا خلال السنوات القليلة الماضية، وأبرزها الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد في خريف 2019، والمعروفة باسم احتجاجات تشرين. وبينما أعلن السيستاني دعمه الكامل للمحتجين، بل ساهم في دعمهم، وقفت الأحزاب القريبة من إيران ضدها، ووصفها مسؤولين إيرانيين بأنها مؤامرة، تم قتل المئات من المحتجين واختطف واغتيل اخرين، وأصابع الاتهام تتجه الى هذه الفصائل.

والقضية الأخرى التي تُمثل خلافاً واضحاً بين الطرفين، هو الموقف من قوات “الحشد الشعبي”، فبينما كان السيستاني يدعو إلى دمج عناصر هذه القوات في الأجهزة الأمنية الرسمية الجيش والشرطة، سعت إيران إلى أن تبقى قوة مستقلة، وهو ما دفع الفصائل القريبة من السيستاني إلى الانشقاق عن قوات الحشد الشعبي، وأعلنت انها ستأخذ الأوامر فقط من رئيس الوزراء وقوات الجيش.

ويقول عقيل الوائلي وهو طالب ديني في النجف إن “الصراع بين مرجعية النجف بزعامة السيستاني ومرجعية قم بزعامة خامنئي هو صراع معنوي وفكري حول إدارة الدولة، ومن هو الممثل الشرعي للشيعة، مثلما هو الحال مع دولة الفاتيكان المسيحية”.

ويضيف الوائلي أن “زيارة البابا إلى النجف ولقائه زعيم المرجعية علي السيستاني، سيكون حدثاً تاريخياً، ويضفي على النجف وفلسفتها الدينية المعتدلة الداعية إلى السلام وتجنب العنف ميزة عالمية، وفي الواقع هناك الكثير من التشابه بين الفاتكيان والنجف في جانب الاعتدال وعدم الانخراط في السياسة، والحفاظ على الخصوصية الدينية”.

ولم تبدي القوى السياسية الشيعية القريبة من ايران حماسة كبيرة بزيارة البابا فرنسيس لبلادهم، تماثل حماسة باقي القوى السياسية والدينية الشيعية والسنية التي اصدرت بيانات رسمية وعشرات التصريحات لوسائل الاعلام.

حتى أن مقتدى الصدر رجل الدين الشيعي البارز الذي يتبع النجف، اعتبر في بيان رسمي صدر عنه، أن تزايد الهجمات الصاروخية على المنطقة الخضراء والسفارة الامريكية في بغداد ومقرات التحالف الدولي في أربيل الأسبوع الماضي، وتصاعد التوتر في سنجار، هي محاولات لأفشال زيارة البابا للعراق.

الأسبوع الماضي وصل وفد الفاتيكان الى النجف لترتيب الزيارة المرتقبة بين البابا فرنسيس والسيستاني، مع ترتيبات الزيارات الأخرى التي ستشمل بغداد وذي قار والموصل واربيل.

وبدا العراق منشغلاً ومنتظراً بفارغ الصبر للزيارة، واستحوذت الزيارة على نقاشات العراقيين واطلقوا هاشتاغات عديدة ترحيباً بها، لولا أن حوادث قصف المنطقة الخضراء وقبلها مطار أربيل عكّرت مزاجهم.

ويقول مسؤول عراقي طلب عدم الإشارة إلى اسمه، إن العراق يتطلع أن تكون الزيارة مفتاحاً لتحقيق الأمن والاستقرار في البلد الذي يعاني منذ سنوات من دوامة عنف متواصلة، وخرج قبل سنوات قليلة من حرب باهظة الثمن ضد تنظيم داعش، وما زال البلد في أزمات سياسية وامنية متواصلة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى