صناعة الزوارق في الأهوار: “كلما زادت المياه زاد الرزق”

المنصة- مرتضى الحدود

أكثر من أربعين عاماً أمضتها عائلة “كنطار” بصناعة الزوارق في قضاء الجبايش (محافظة ذي قار)، انتقلت خلالها أسرار المهنة من الآباء إلى الأبناء والأحفاد، رغم ما عاناه سكان هذه المسطّحات المائية من جفاف وشحّ في المياه.

“سلام حسين كنطار” أحد ابناء هذه العائلة، يعمل صانعاً للزوارق منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، يقول للمنصة إنه رافق أباه منذ صغره وتعلم هو وأخوته صنع أشكال مختلفة من الـ”سفن” كما تسمى بالدارجة العراقية.

يبدأ “سلام” البالغ من العمر 36 عاماً عمله من الصباح الباكر في باحة واسعة قرب أحد انهار الجبايش، في مساحة مكتظة بالاخشاب وهياكل الزوارق المصنعة والمعدات اليدوية، يستخدمها في تقطيع الخشب أو ألواح الـ”فايبر كلاس”، إحدى المواد البديلة عن الخشب.

زوارق بيت كنطار

في ورشته هذه يجلس “سلام” وأصوات المطارق والتقطيع تملأ المكان، واضعاً قلمه الرصاص خلف إحدى اذنيه، يستخدمه في أخذ القياسات المناسبة للزورق. 

وبينما كان يضع إشارة على مكان قطع لوح الخشب، قال لـ “المنصة” إنه وأخوته أتقنوا المهنة كي يحافظوا على اسم عائلتهم في هذا المجال، مشيراً إلى أن “زوراق بيت كنطار” صارت أشبه بماركة معروفة على مستوى المناطق الجنوبية. 

ورغم وجود أشخاص وورش تعمل على هذه الصناعة في الجنوب وفي قضاء الجبايش تحديداً إلا أنهم بقيوا محافظين على هذا العنوان في الصناعة مقتنيين أسرارها وخباياها عبر عشرات السنين.

“سلام” يكمل حديثه وهو يشير بيده الى إحدى الهياكل المصنعة ليوضح أن احجام الزوارق تكون بحسب طبيعة عمل الزبون، فمنها ما هو مخصص لنقل الحمولة وأخرى فقط لنقل الافراد وسط المياه، وهناك أطوال مختلفة تتراوح ما بين عشرة إلى خمسة عشر متراً، كما أن هناك زوارق ذات أحجام أكبر تستخدم لنقل الأعلاف للمواشي.

مواد بديلة 

أسهمت التقينات والمواد الحديثة في سرعة انجاز صناعة الزورق في ورشة “سلام” لكنها لم تسهم في تغيير شكلها المعتاد لدى سكان الأهوار في ذي قار. 

ففي السنوات التي سبقت عام 2003 كانت مادة الخشب هي الأساس في صناعة الزوارق بكافة تفاصيله إذ يتم جلبها من مدن جنوبية أخرى، تحديداً من البصرة والهوير، ويعد خشب الجام والصاج والجاوي من أفضل انواع الخشب المستخدم في هذه الصناعة. 

وباستخدام المعدات اليدوية البسيطة كالمنشار اليدوي والمطارق تستغرق مدة انجاز الزورق الواحد قرابة ثماني أيام، أما في الوقت الحالي فإن المعدات الكهربائية كالمناشير الكبيرة والمثقاب الكهربائي اختصرت مدة إنجاز الزورق إلى يومين فقط.

ويشير “سلام” إلى مواد بديلة دخلت في هذه الصناعة، فلم يعد الخشب مكوناَ أساسياً كما الحال سابقاً بل مكملاً، خصوصاً بعد دخول مادة الـ”فايبر كلاس” وهي نوع من أنواع البلاستيك المقوى ذي الكلفة المادية البسيطة، ومع دخوله صارت كلفة إنجاز الزورق الواحد ذي العشرة أمتار لا تتجاوز مليون وأربعمائة الف دينار (أقل من ألف دولار أمريكي).

الرزق على قدر المياه

تتأثر مهنة “بيت كنطار” بكميات المياه الداخلة إلى الأهوار وارتفاع أو انخفاض مناسيبها، فيقل الطلب على الزوارق أو يزيد وفق ذلك، أو بطريقة أخرى وكما يقول سلام: “كلما زادت المياه زاد الرزق”. 

وكانت مناطق أهوار جنوب العراق تعرضت لحملات تجفيف خلال حقبة تسعينيات القرن الماضي، ثم عملت الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام 2003 على إحياء المنطقة وغمرها بالمياه.

ويوضح صانع الزوارق أن مناطق الاهوار تعرضت من جديد إلى شح كبير في المياه خلال عام 2015 ما انعكس سلباً على واقع صناعة الزوارق، خصوصاًَ أن البعض من سكنة الاهوار بدأوا بالنزوح منها صوب المدن الكبيرة المجاورة أو إلى العاصمة بغداد.

ومؤخراً عادت مناسيب المياه للارتفاع من جديد، “لذا تجد شباب عائلتنا يعملون بشكل مستمر” يقول، آملاً أن تستمر الحكومة في الاهتمام بهذه المنطقة والاهتمام بالصناعات التقليدية العريقة فيها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى