جسر الجادرية.. أكثر من مجرّد جسر 

فاطمة كريـم _بغداد 

مع شروق شمس الشتاء تطل لوحة فنية ساحرة على ضفاف نهر دجلة في بغداد من جهة جسر الجادرية تبدأ بِهمس مياه راقصة ورفرفة نوارس بيضاء تُحلّق في سماء صافية زرقاء.

يبدأ موسى منذ بواكير الصباح الاولى بالذهاب الي جسر الجادرية باحثاً عن رزقة بين باقات الورود، يقول “انا اعمل هنا، ابيع الحب، ابيع الاعتذار، ابيع الامتنان وابيع الجمال كل هذا في باقة ورد”.

موسى محمد، 15 عاماً، من سكنة منطقة السيدية، يعمل في بيع الورد وأكياس الشيبس على جسر الجادرية في بغداد. بدأ العمل أول مرة عندما كان في الثامنة من عمره فقط، خرج يومها مع أخيه الأكبر، وبقي مزاولاً العمل إلى الآن.” اعمل لكي أساعد اهلي وأوفر مصروفي.. تعلمت مذ كنت صغيراً أن أعتمد على ذاتي”.

بسبب التزام موسى بالعمل لم يستطيع أن يكمل دراسته فقد سعى دوماً لأن يجد فرصة عمل تناسبه في وقت ارتفعت فيه نسبة البطالة في البلاد  وازداد عدد المشردين والمتسولين بعضهم يتعرضون للاستغلال من شبكات تشغيل الأطفال، أما موسى فبقي محافظاً على نفسه ولم ينجرف في طريق الهلاك.

جسر الجادرية هو تاسع جسور بغداد الثابتة وأطولها إذ يبلغ طوله 1276 متراً، وهو من الجسور الكونكريتية الحديثة فيه ثلاثة مسارب للذهاب وثلاثة للإياب تربط منطقة القادسية والسيدية في الكرخ بالجادرية في الرصافة، وقد تم تصميمه من قبل رود كونسلت التشيكوسلوفاكية بمعاونة مهندسين عراقيين في أواخر السبعينيات ونفذته شركة بلوينسكي وزولنر في ألمانيا الغربية ليفتتح في العام 1982.

يعد جسر الجادرية من اكثر الجسور المزدحمة في بغداد بسبب أهمية المناطق التي تحاذيه مثل جامعة بغداد وجامعة النهرين وعدد من المتاجر والبنوك والأسواق التي تتسبب في اختناقات مرورية، وهذا ما جعله يجذب الكثير من البائعين الذين يحاولون تصريف بضاعتهم.

صالح حسن أحد العاملين على الجسر وهو في 37 من عمره يعمل موظفا في دائرة حكومية لكن بسبب راتبه المتدني وغلاء المعيشة اضطر للعمل في أوقات المساء على الجسر.  

يتحدث صالح لـمنصة عن حاله قائلاً: “أنا أب لابنتان، اعمل براتب 300 الف دينار عراقي (ما يقارب 200 دولار) وهو لا يكفي لسد احتياجاتنا، قررت أن ابيع الورود على جسر الجادرية”. 

وبعد سؤال صالح عن سبب اختياره لهذا الجسر بالتحديد مكاناً لعمله أجاب:” بسبب جمال منظره والزخم السكاني الذي يتواجد فيه سواء من طلاب الجامعات أو السيارات أو المارة”.

طيور النوارس البيضاء التي ترفرف فوق سماء دجلة تشكل لوحة فنية  تجذب مئات الافراد يومياً للمرور من الجسر، بعضهم يطعم النوارس من أكياس الشيبس التي يبيعها موسى وباقي زملائه.

جميع من يعمل هنا يأتون الى العمل في أوقات متقاربة وبشكل يومي دون استراحات، وتزداد فرصتهم في البيع بالعياد والمناسبات إذ يقول موسى “أتي هنا في الساعة العاشرة صباحاً إلى السادسة مساءً، وتكون ذروة وقت العمل في فترة المساء حين ينتهي الطلاب من الدوام في جامعاتهم ويتجمعون هنا، منهم من يشتري الورد لحبيبته ومنهم من يشتري الشيبس ليطعم النوارس”. 

أما صالح فيأتي الى الجسر بعد انتهاء دوامه في الوظيفة، يقول” اذهب أولاً إلى المنزل، لدي براد صغير احفظ بداخله الورد كي يبقى إلى أطول وقت ممكن، بعدها اتجه الى الجسر فأصل عند ساعة الواحدة بعد الظهر”.

وهو يتحدث مع إحدى زبائنه من النساء سألته عن كيفية الاحتفاظ بالورد بدأ صالح يشرح لها خبرته في هذا المجال الذي عمل به أكثر من ثلاث سنوات، ” لحفظه مدة طويلة يجب وضع الورد في وعاء بداخله ماء بارد والاحتفاظ به  داخل البراد، وعند وضعه في مكان ما داخل المنزل يمكنكِ اضافة القليل من مسحوق الدارسين”، وبابتسامة لطيفة يقول صالح لزبونته، “هذا يعتبر سر عملي.. لا تخبري به أحداً”.

محمد علي، 22 عاماً، طالب في جامعة بغداد يقول للمنصة: ” لا يمر  أسبوع دون أن أتمشى على جسر الجادرية خصوصاً في اوقات الصباح لمشاهدة هذا المنظر الجميل ولإطعام النوارس”.

الازدحامات التي يشهدها هذا الجسر في أوقات الدوام تدفع بعض الطلاب للنزول من سيارات النقل العام والذهاب مشياً على الأقدام إلى الجامعة غير البعيدة عن الجسر.

يقول محمد” افضل النزول من السيارة واطعام النوارس على ان ابق داخل السيارة و انتظر فتح السير”، وبابتسامة خجولة يتابع: “دائما ما اشتري الورد من هنا لحبيبتي، والورد الاحمر هو المفضل لديها”. 

بعد سؤل موسى عن اوقات الراحة بالنسبة له وأين يأكل هو وزملائه أجاب: “يوجد تحت الجسر كرفانات خاصة ببيع الطعام للعمال المتواجدين هنا، وهناك وعاء مربوط بحبل من أعلى الجسر ممتد إلى الاسفل.. من يريد الطعام يضع المال داخل الوعاء ويرميه الى الاسفل ومن ثم يقوم العم ابو احمد في الاسفل بوضع الطعام في الوعاء ونقوم بسحبه إلى الأعلى”.

أبو أحمد، 45 عاماً، يعمل في طهي وبيع الطعام للعمال المتواجدين في منطقة الجادرية منذ سنوات طويلة على كرفان صغير.

يجهز أبو احمد كل اليوم العديد من الاكلات ويبيعها بمبالغ بسيطة ويسترزق من هذا العمل، وهو بمثابة أب لهم كما يصفونه والجميع يكن له الاحترام والتقدير. يقول موسى ممازحاً أبا أحمد: “طعامه لذيذ جدا وأحيانا يكون ألذّ من طعام أمي”.

هكذا يبدو المنظر على واحد من أقدم جسور بغداد.. جسرٌ لا يحمل السيارات فقط إنما قصص الفقراء الذين يسترزقون بفضله والعشاق الذين يلتقون عنده ومحبي التواصل مع طيور النورس التي تحلق في سماء بغداد، وأخيراً، جسرٌ للعبور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى