لعبة كربلاء التراثية .. طائرات ورقية تزين السماء في شهر رمضان 

كربلاء- حسنين علاء

تتزيّن سماء كربلاء بطائرات ورقية تتزاحم بين الغيوم في وقت العصر وحتى الإفطار. هو تقليد ترفيهي اعتاد عليه سكنة المدينة لسنين عدة لكنه يكثر في أيام شهر رمضان، الموسم الذهبي لممارسة لعبة الطائرات الورقية هنا.

لا تتحدد ممارسة هذه اللعبة بفئة عمرية معينة فقد اتفق الكربلائيون على حبها صغيرًا وكبيرًا. وفي مقارنة طريفة، فإن كبار السن ومتوسطي العمر في كربلاء أكثر ممارسةً لهذه اللعبة من الصغار، فقد حرص سكان المدينة على التجمع في الساحات المفتوحة لإجراء المسابقات فيما بينهم، والرابح فيهم هو من يسقط طائرة الآخر عبر قصها بواسطة الخيط  في حركة تسمى لديهم بـ “المذباب”.

السيد مصطفى الهاشمي الذي يبلغ من العمر أربعة عقود، يحدثنا في دكانه الصغير في منطقة “المخيم” إحدى مناطق المدينة القديمة في كربلاء عن حبه للطائرات الورقية، حبٌ دفعه لتعلم طريقة صناعتها والتفنن بها وبيعها للزبائن الذين يقبلون عليه بكثرة في شهر الصيام.

يحتفظ الهاشمي بذكريات كثيرة من طفولته عن هذه اللعبة، فقد صنع له والده في الصغر الكثير من الطائرات كان يلعب بها مع اخوته على سطح المنزل. 

يصف الهاشمي لعبة الطائرات الورقية بالموروث الكربلائي المحبب لدى الأهالي، فقد ارتبطت بمدينتهم دون غيرها من المدن العراقية، وهم اليوم يحافظون على بقائها على قيد الحياة. 

ولحكاية دخول الطائرات الورقية الى العراق روايتين، بحسب الهاشمي، الأولى تقول إنها دخلت عبر الزوار الهنود الذي كانو يزورون المدينة المقدسة باستمرار ويجلبون معهم الطائرات التي أحبها السكان. 

أما الرواية الثانية التي يتذكرها مصطفى الهاشمي عن جده ووالده فتفيد بأن الطائرات دخلت الى كربلاء عن طريق المجندين الهنود في صفوف جيش الاحتلال البريطاني، فكانو يمارسون هذه اللعبة لتسليتهم في أوقات الفراغ، وقد تعلم منهم الكربلائيون طريقة صنعها.

في بداية القرن الماضي انتشرت لعبة الطائرات الورقية في أكثر من مدينة جنوبية، لكن حضورها ازداد بكثرة بعد الانتفاضة الشعبية في بداية التسعينيات والتي سميت بـ”الانتفاضة الشعبانية”. 

منذ ذلك الوقت ازدهرت مسابقات الطائرات الورقية وأصبحت المناطق والأحياء تتنافس فيما بينها فيتواجد في كل منطقة عدد من اللاعبين يتجمعون على أسطح العمارات العالية في مواجهة لاعبي مناطق أخرى، حتى عُرفت بعض العمارات بأسماء اللاعبين او الفرق التي تتجمع بها.

تعلم الهاشمي طريقة صناعة الطائرات من أحد رواد اللعبة القدماء ويدعى “عباس الكردي”، علمه كيفية تصفية الورق وصناعة الاعواد والخيوط، “فهي حرفة تحتاج إلى موهبة في التصميم والزخرفة”، يؤكد الهاشمي.

تصنع الطائرات عن طريق فصل الورق المستورد من الهند وتشذيب الخشب الذي يستخرج من النخيل والذي يدعى “الجريد”، فيثبت الخشب على الورق بمادة الغراء بشكل قوس يسمى “طوق” وعود آخر مستقيم يسمى “مد” ، ويضاف الى الطائرة خيط صغير يربط من المنتصف يسمى بـ”الميزانية” والذي يساعد على توازن الطائرة عند تحليقها في الهواء. 

بعد دخول جهاز الستلايت وانتشار الالعاب والأجهزة الالكترونية تراجعت لعبة الطائرات الورقية في كربلاء وقلت أعداد ممارسيها بشكل ملحوظ، حتى قرر رواد اللعبة في المدينة إنشاء مجموعة الكترونية على منصة فيسبوك أطلقوا عليها اسم “الطائرات الورقية تراث كربلائي” ونشروا فيها صور وفيديوهات مختلفة لممارستهم اللعبة بهدف إحيائها من جديد بين سكان المدينة.

هكذا أنشأ رواد اللعبة مجموعة الكترونية فيما بينهم للم شمل اللاعبين القدماء وصانعي الطائرات وبذلك عادت الطائرات الورقية مرة أخرى إلى سماء كربلاء.

ومع خبرة القدامى وشغف الشباب تطورت شكل الطائرة، فبعدما كانت تقتصر في الماضي على تصميمات قديمة كانت تسمى “أم الحوض” و”أم الطبرة” و”أم الطوابيق” والجكري” أصبح هناك الطائرات مزخرفة وملونة وطائرات مخطوطة تحمل اسم أصحابها، وبذلك “أضافت كربلاء لمستها الخاصة في صنع الطائرات الورقية” يقول الهاشمي.

في منطقة “العباسية” التي تمتاز بكثرة الحرفيين، وهي احدى مناطق المدينة القديمة أيضاً، يتواجد أبو علي في دكان مليئ بالبكرات والورق والطائرات. 

تعلم أبو علي صنع الطائرات منذ الصغر ثم اتخذها مهنة له وتفنن فيها بشكل مميز، فهو يصنع طائرات ذات نقوش وزخارف نباتية وهندسية ويقوم بتلوين الورق لينفرد دون غيره بصناعة طائرات ذات ألوان مختلفة.

يقول أبو علي أن ارتباط لعبة الطائرات بشهر رمضان جاء من وقت الفراغ الذي يسبق الافطار، فالكثير من الناس يعود الى بيته من العمل ظهراً ثم يخرج عصراً لتطيير الطائرات، “فهي لعبة ممتعة تسرق الوقت الذي يجلسون فيه وهم ينتظرون وقت تجهيز السفرة، فلا يشعر المرؤ عند إمساكه بالبكرة وتحليق طائرته في السماء إلا وصوت الأذان قد ارتفع في أرجاء المدينة”.

يذكر أبو علي ان له زبائن كثيرون من محافظات عديدة، يشترون أعداد كبيرة من الطائرات اما لبيعها هناك أو لممارسة اللعب بشكل شخصي، خصوصاً بعد أن انتقلت لعبة الطائرات من كربلاء إلى محافظات الأخرى وعلى رأسها العاصمة بغداد الي صار لديها مهرجان سنوي للطائرات الورقية يقام في حدائق ابو نؤاس هدفه رؤية سماء بغداد والطائرات الملونة تحلق فيها. 

في حديثه إلى المنصة يذكر السيد مصطفى الهاشمي أن الطائرات الورقية كانت في السابق لعبة الماضي نهارية، لكن أجرى بعض الهواة تعديلات صغيرة على الطائرة جعلت منها لعبة تمارس أثناء الليل، فقد أضيف لها شكل مربع من مادة الكارتون توضع فيه شمعة وتعلق بالطائرة ويسمى “الفنر”، لتصبح على شكل فانوس طائر في السماء له شكل خاص وجمالية مختلفة، اذ تحلق الطائرة في ليل بغداد وهي مضيئة حتى تنتهي الشمعة ثم يحترق جزء من الفنر وتسقط الطائرة لتنتهي رحلة “المطيار” الليلي كما يسمونها.

بين ماضي مليء بالقصص المسلية والمسابقات والأسماء التي رافقت اللعبة في كربلاء القديمة ودرابينها الصغيرة، وحاضرها المتطور باشكال وإضافات فنية، ماتزال هذه اللعبة التراثية جزءاً من مفردات الحياة في رمضان، يمارسها الأهالي في كل ساحة مفتوحة في كربلاء، مع تجمهر الأطفال واستعدادهم لتلقّف الطائرات التي تسقط من السباق رافعين بايديهم اعواد من سعف النخيل، مع اعتلاء الضحكات والفرح على وجه كل طفل ينجح في الحصول على الطائرة قبل غيره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى