صناعة الفخار في العراق: إرث حضاري ينتعش في أوقات الصيف

بغداد – فاطمة كريم

“الفخار يمثل تاريخنا منذ الحضارة السومرية وفوائده لا تُعدّ، على عكس البلاستيك الذي جعل الأمراض تفتك بالإنسان والحيوان”، بهذه الكلمات بدأ أبو أحمد، صانع الفخار، حديثه وهو يجلس على كرسي واضعًا أمامه منضدة بينما يدعك كتلة من الطين بيديه.

محمد زين العابدين، الملقب بأبو أحمد، يبلغ من العمر 56 عامًا ويعمل في صناعة الفخار منذ أكثر من أربعين عامًا. يتحدث للمنصة قائلاً: “هذه المهنة تُسمى بالكوازة، ورثناها عن أجدادنا، كنت أعمل بها مع والدي الحاج زين العابدين، واليوم أعلمها للكثير من الشباب خوفًا عليها من الاندثار”. ويضيف: “لدي عاملون هنا في الورشة، لكن يتردد علينا أيضًا الكثير من طلاب كلية الفنون الجميلة ليتعلموا هذا الفن”.

تُعد صناعة الفخار من أقدم وأهم الحرف التقليدية التراثية في العراق المستمرة حتى يومنا هذا ويعود تاريخها إلى الحضارة السومرية كما بيّنت أعمال التنقيب عن الآثار في حضارة وادي الرافدين نتيجة توفر مادتها الأولية وهي الطين الخالي من الأملاح، ويطلق على عامل الفخار في العراق اسم “الكوّاز”.

وتعد هذه الحرفة من المهن اليدوية البسيطة التي لا تحتاج إلى المكائن، فموادها متوفرة وهو الطين الذي يسمى بـ”الطين الحر” الذي يتواجد في أغلب محافظات العراق، وأكثره في محافظة النجف. 

يشير أبو أحمد إلى أن عادت هذه الصناعة العتيقة عادت للانتعاش مجددًا بعد فترة من التراجع باعتبار القرب والأواني الفخارية أكثر أمانًا من الناحية البيئية والصحية من العبوات والأواني البلاستيكية والمعدنية.

ففي ظل تزايد معدلات تلوث مياه الشرب في المدن العراقية خلال الفترة الأخيرة، عاد الاهتمام بالحِب مجددًا، وهو عبارة عن جرة كبيرة يوضع داخلها الماء. وتُباع هذه الفخاريات بأسعار تتراوح بين 4000 – 8000 دينار عراقي حسب حجمها، فالكبير بـ 8000، والوسط بـ 7000، والصغير بـ 4000، بحسب أبو أحمد.

أما أكثر المواسم التي تزداد فيها الطلبات على الفخاريات فهو موسم الصيف وأشهر محرم في التقويم الهجري لما فيه من طقوس تتطلب وجود الفخاريات.

ينتج أبو أحمد رفقة خمسة عمال آخرين يعملون معه في الورشة حوالي 35 – 40 حِبًّا يوميًا. وتمر عملية صناعتها بعدة مراحل تبدأ بخلط الطين ثم تجويفه عبر تشكيل عمق الأواني الفخارية مرورًا بمرحلة الصب في قوالب مصنوعة من الجبس، وأخيرًا مرحلة الحرق لتجفيفه، ومن ثم يصبح الفخار معدًا للاستخدام. 

ويضيف أبو أحمد أن موسم البيع يبدأ من نيسان/أبريل وينتهي في أيلول/سبتمبر، كاشفًا عن تسويقه نحو 400 حِب شهريًا إلى المحافظات الشمالية والجنوبية.

مع دخول فصل الصيف الحار في العراق والتي تصل درجة الحرارة في بعض المحافظات إلى ما يقارب 53 درجة مئوية وعدم استقرار الكهرباء في البلاد يقبل الناس على شراء الأواني الفخارية المختلفة، مثل الجرار والبرادات والأطباق، لحفظ الماء والطعام دون الحاجة إلى ثلاجات أو كهرباء. 

يقول أبو أحمد: “موسم بعد آخر يزداد الطلب على شراء الفخاريات وينتعش السوق، وأنا سعيد بوعي الناس لأنها في النهاية تحمي أجسادها من أضرار البلاستيك”.

أبو مصطفى، أحد زبائن أبو أحمد، يوضح أنه اعتاد على شراء الأواني الفخارية منذ أكثر من عامين. يقول: “لا نستخدم الفخار في المنزل لحفظ المياه وتبريدها فقط، بل في بعض الأحيان نحفظ داخلها الأطعمة كي لا تفسد بسبب انقطاع التيار الكهربائي”.

تتميز الفخاريات بقدرتها على امتصاص الحرارة من الخارج، مما يحافظ على برودة الماء لفترة أطول، دون الحاجة إلى كهرباء. تساعد الفخاريات أيضًا على حفظ الطعام طازجًا لفترة أطول، لقدرتها على امتصاص الرطوبة الزائدة ومنع نمو البكتيريا. وهي كذلك منتج صديق للبيئة، حيث أنها مصنوعة من مواد طبيعية قابلة للتحلل، على عكس الأواني البلاستيكية التي تضر بالصحة والبيئة. تمثل صناعة الفخار جزءًا هامًا من التراث الحضاري العراقي العريق، إذ تعود جذور هذه الصناعة إلى الحضارات القديمة في بلاد الرافدين.

على الرغم من رواج صناعة الفخار في العراق، إلا أنها تواجه بعض التحديات. يتحدث أبو أحمد عن أبرزها وهي قلة اليد العاملة الماهرة، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة المواد الخام. “ولعل أهم عامل هو المنافسة من المنتجات الحديثة مثل الأواني البلاستيكية والمعدنية، التي غالبًا ما تكون أرخص وأكثر سهولة في الاستخدام”.

على الرغم من التحديات التي تواجهها، إلا أن صناعة الفخار في العراق تتمتع بمستقبل واعد. فمع ازدياد الوعي بفوائد المنتجات الصديقة للبيئة، وتزايد رغبة الناس في العودة إلى التقاليد، يتوقع عودة قوية لصناعة الفخار في العراق، لتصبح رمزًا للإبداع والتراث والحفاظ على البيئة.

يأمل الحرفي محمد في تقديم الحكومة الدعم للحرفيين والمهن التقليدية، مثل تقديم الحكومة قروضًا بدون فوائد لشراء المواد الخام وتطوير ورش العمل، بالإضافة إلى إقامة المعارض والفعاليات، خاصة لطلاب الفنون الجميلة، لتعريف الجمهور بفوائد صناعة الفخار والترويج لها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى