هم ليسوا استثناءً.. بل هم الأصل
مهدي غريب – بغداد
في إحدى مجالس العزاء الحسيني في العاصمة بغداد ارتفعت أصوات “يا حسين” في الشوارع، لكنها لم تكن كغيرها، فقد خرجت من قلوب اعتادت أن تُهمّش، لتعلن اليوم أن “الحسين ليس حكرًا على أحد، وأن العزاء لا يُقام للناس فقط، بل بالناس، جميعهم”.
“تجمع معوّقي العراق” نظّم مجلس العزاء الذي شارك فيه ذوو الإعاقة أنفسهم، تنظيمًا وخدمةً ومشاركة، حاملين رسالة واضحة: “لسنا فئة معزولة ولا حالة استثنائية، بل جزء أصيل من نسيج هذا الوطن، وشركاء حقيقيون في شعائره ومراسيمه ووجدانه الديني”.

وفقًا لتقارير وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، يُقدَّر عدد ذوي الإعاقة في العراق بما يتجاوز 3 ملايين شخص، يشكّلون نسبة ملموسة من السكان، إلا أن مشاركتهم في الحياة العامة غالبًا ما تكون محدودة بسبب نقص الخدمات والبنية التحتية الملائمة، إضافة إلى الوصمة المجتمعية.
فقدنا أطرافنا لا إيماننا
أحمد الكناني، في أواخر الأربعينات، فقد أطرافه قبل أكثر من عشر سنوات. يقول وهو يعدّل كرسيه: “كل سنة نحضر المجالس، نستمع ونبكي. نحن لسنا فئة معزولة، نحن من صلب المجتمع. إعاقتنا جاءت بعد أن قدّمنا ما نملك لهذا البلد”.
بالنسبة لأحمد، المجلس ليس مجرد فعالية دينية، بل مساحة يثبت فيها حقه في أن يُرى ويُسمع. ويشير إلى أن الخطوة التالية هي تنظيم مواكب خدمية بإدارة كاملة من ذوي الإعاقة خلال زيارة الأربعين المقبلة.

وعادة ما تكون المجالس الحسينية في العراق موجهة لجمهور عام يفترض فيه “القدرة على الحضور الكامل”، وهو ما يجعل ذوي الإعاقة، خاصة أصحاب الإعاقات الحركية أو الحسية، يواجهون صعوبات في المشاركة الفعلية، سواء على مستوى الوصول المكاني أو المحتوى المقدم.
لا نريد شفقة
حسين عبد الستار، أحد أعضاء التجمع، لم يتوقف لحظة عن التنقل داخل المكان، يتأكد من ترتيب الكراسي، توفير الترجمة، وراحة الحاضرين. رغم إصابته بإعاقة حركية نتيجة إصابة سابقة، كان قائدًا فعليًا للعمل.

يقول: “إحنا ما نريد لا شفقة ولا إعفاءات.. نريد نعيش ونشارك ونكون جزء من كل شي. الناس تتصور إنو المعاقين بس يتفرجون، بس إحنا نكدر ننظم ونخدم ونبچي ونلطم مثل أي واحد ثاني”.
حسين حرص على أن يكون المجلس شاملاً، حتى لذوي الإعاقة السمعية والبصرية، مؤمنًا أن التجربة تتجاوز الطقوس، وتشكل درسًا عمليًا للمجتمع.
الإشارة.. لغة الحزن أيضًا
من أبرز لحظات المجلس، فقرة بلغة الإشارة قدّمتها الناشطة سارة جليل، مترجمة لغة الصم، التي نقلت مرثية حسينية بأسلوب تعبيري حرّك مشاعر الجميع، حتى من لا يعرفون لغة الإشارة. جاء في مرثية فاطمة: “الحسين مو بس للناس اللي تكدر تحچي، الصم يحبوه ويحزنون عليه ويبچون، بس ما يلكون مكان يشاركون بيه. اليوم، كانوا موجودين، وكان إلهم فقرتهم”.

في دول مثل إيران ولبنان، بدأت بعض المؤسسات الدينية بإدراج لغة الإشارة، وتوفير مساحات مخصصة لذوي الإعاقة داخل الحسينيات، إلا أن التجارب تبقى محدودة. لهذا، فإن المبادرة العراقية تمثل واحدة من المحاولات النادرة التي نشأت من القاعدة، لا من المؤسسات.
عدد من الصم الحاضرين عبّروا عن امتنانهم لوجود ممثل لهم على المنبر، وهي خطوة نادرة في المجالس التقليدية، مما منح المجلس طابعًا غير مسبوق.
المجلس ما بعد المجلس
اختُتم المجلس بتوزيع الشاي والكعك، وامتدت النقاشات بين المشاركين حول أهمية تكرار مثل هذه الفعاليات في مناسبات دينية ووطنية أخرى.
أحد الحضور، زائر من محافظة الأنبار، قال: “أول مرة أحضر مجلس منظم من ذوي الإعاقة، بس والله هذا المجلس أنضج من مجالس كثيرة. حسّيت بالصدق وبقيمة الإنسان.”
في بلد يعاني من هشاشة مؤسساتية وتهميش فئات واسعة، تُعد هذه المبادرات من قبل ذوي الإعاقة نوعًا من الفعل السياسي غير المباشر، حيث يتم إعادة تعريف الفضاءات الدينية بوصفها أماكن للعدالة والمساواة، لا مجرد طقوس موروثة.



