فاطمة كريم – بغداد
مع حلول الأيام الأولى من شهر محرم، تتغير ملامح بغداد. الأعلام تملأ الشوارع، تتدلى من الشرفات، تُرفع فوق الأسطح، وتُربط على أبواب المنازل والسيارات. يسيطر السواد على المشهد، تتخلله خيوط من الأحمر والأخضر، في تناغم بصري يُعلن عن بداية موسم جديد.
في قلب العاصمة، وتحديدًا داخل السوق العربي في الشورجة، تنبض الحياة بتسارع. محال صغيرة تكتظ بآلاف الأعلام، عمال لا يتوقفون عن نقل الصناديق، وزبائن يملؤون الممرات الضيقة بحثًا عن راية تعبّر عن شعور أو انتماء. من هنا، من هذا السوق العريق، تنطلق الرايات التي تغلّف العراق كل عام بحزن موسمي له طقوسه واقتصاده.

جاسم فايز، شاب في الـ28 من عمره، اعتاد منذ سنوات مواكبة تقلبات السوق وقراءة نبضه بدقة. نشأ بين طرقات سوق الصفافير حيث عمل إلى جانب جده ووالده في مهنة النقش على النحاس. إلا أن هذه الحرفة، التي كانت تمثل جزءًا من التراث البغدادي، بدأت بالتراجع أمام التغيرات الاقتصادية وتحول أذواق المستهلكين.
“مع مرور الوقت أدركت أن عليّ أن أواكب السوق، لا أن أتمسك بمهنة تحتضر”، يقول جاسم، وهو يراقب رفوف محله المليئة بالبضائع الموسمية. هكذا، انتقل تدريجيًا إلى ما يُعرف بـ”تجارة المواسم”، وهي تجارة تعتمد على استيراد وبيع السلع المرتبطة بالمناسبات الدينية والاجتماعية، مثل مستلزمات رمضان ورأس السنة، ومؤخرًا أعلام ورايات محرم.

مع بداية كل عام هجري، وتحديدًا في الأيام الأولى من شهر محرم، تشهد الأسواق العراقية حركة استثنائية في الطلب على الأعلام، التي تُعد من أبرز الرموز البصرية المرتبطة بالمناسبة. وبحسب العاملين في سوق الشورجة، فإن ذروة الطلب تبدأ من نهاية ذي الحجة وتستمر حتى نهاية محرم، حيث تُطلب الأعلام بمختلف أحجامها وألوانها ونقوشها، ليس من حيث الشكل فقط، بل أيضًا الرمزية التي تمثلها.
اللون الأسود، الأكثر رواجًا، يُستخدم على نطاق واسع. يقول جاسم: “الطلب على الرايات السوداء يشكل نحو 60% من المبيعات، لأنها تُستخدم بشكل جماعي في كل مكان تقريبًا”. أما اللون الأخضر، المرتبط بالقدسية والسلام، فيُستخدم عادة في الأعلام الصغيرة أو تلك المعلّقة على الأبواب والنوافذ. في حين يشهد اللون الأحمر، رغم ندرته نسبيًا، طلبًا خاصًا من بعض المواكب التي تفضّله كرمز للفداء والشجاعة.

في الوقت الذي يبدأ فيه الناس التفكير بشهر محرم قبل أيام من حلوله، يكون تجار الشورجة قد بدأوا استعداداتهم قبل أشهر. يشير جاسم إلى أن التحضيرات تبدأ عادة قبل شهرين على الأقل، لكن الظروف الإقليمية هذا العام دفعتهم إلى ما يُعرف بين التجار بـ”قطع الوصولات” قبل أربعة أشهر، أي الاتفاق المسبق مع الموردين خارج العراق لضمان وصول البضائع في الوقت المناسب.
تُستورد معظم الأعلام من الصين وإيران، ويشرح جاسم الفرق بين البلدين من حيث الكلفة والجودة: “الصين تعتمد على الطباعة الصناعية والخياطة الآلية، مما يجعل المنتجات أقل كلفة بسبب رخص اليد العاملة. أما الأعلام الإيرانية، فتُصنع غالبًا بالتطريز اليدوي أو شبه اليدوي، ما يمنحها متانة وأناقة أعلى”.

وفقًا لتقديرات أولية من تجار وموزعين في سوق الشورجة، فإن المنزل الواحد يضع ما لا يقل عن ثلاثة إلى أربعة أعلام. وإذا افترضنا أن عدد الأسر في محافظات الوسط والجنوب يقارب خمسة ملايين أسرة، فإن الطلب السنوي قد يتجاوز 20 مليون علم منزلي في هذا الموسم وحده. وتضاف إلى ذلك آلاف المواكب التي تحتاج إلى عشرات الأعلام الكبيرة والرايات الخاصة، ما يضاعف حجم السوق.

وباحتساب متوسط سعر العلم الواحد بين 3,000 و20,000 دينار عراقي، فإن حجم الإنفاق الشعبي خلال هذا الموسم يتراوح بين 50 و150 مليار دينار سنويًا، أي ما يعادل نحو 40 إلى 100 مليون دولار أمريكي، بحسب تقلبات سعر الصرف.
محمد جواد، البالغ من العمر 35 عامًا، يعمل في تجارة الأعلام منذ كان في الرابعة عشرة. يقول: “هذا الموسم لا يُعوّض. إنه أشبه بالحصاد، نستعد له شهورًا ونعيش على مردوده لأشهر”. وبحسب محمد، لم تعد هذه التجارة صغيرة، بل تطوّرت إلى شحنات ضخمة تُحضّر بعناية. “أقل تاجر اليوم يستورد شاحنة كاملة من الأعلام، وبعض كبار التجار يستوردون حتى أربع شحنات في الموسم، ما يعكس حجم الطلب الكبير”.
محمد أيضًا كوّن علاقات وثيقة مع عشرات المواكب الحسينية التي تقصده سنويًا لتجهيز احتياجاتها. ويؤكد أن اللون الأسود لا يزال الأكثر طلبًا، لكن هذا العام لاحظ زيادة غير مسبوقة في الطلب على الأعلام الحمراء، ويعزو ذلك إلى ما جرى من من أحداث اقليمية استهدفت قيادات ورموز شيعية، وهو ما أثار استياءً في الشارع ودفع كثيرين إلى رفع الراية الحمراء كرمز للفداء والثأر. “هذا التغيّر في تفضيلات الألوان يعكس كيف تؤثر الأحداث الإقليمية على السوق المحلي”، يقول محمد.

أم يوسف، سيدة في الـ33 من عمرها، تسير في السوق العربي تتأمل الرايات بألوان وأحجام متعددة، تختارها بعناية وكأنها تنتقي شيئًا شخصيًا. تقول: “منذ كنت صغيرة، كانت أمي تشتري الأعلام مع بداية شهر محرم. كنا نعلّقها على السطح وعلى باب المنزل، وكان ذلك أول مظاهر حلول الشهر”. بالنسبة إلى أم يوسف، أصبحت هذه عادة سنوية تحرص على تكرارها، وتفضل الأعلام التي تحمل أسماء شخصيات مثل الإمام الحسين أو العباس أو السيدة زينب، وتعتبرها أكثر تعبيرًا من الأعلام التي تحتوي فقط على عبارات عامة.

لا تقتصر آثار محرم الاقتصادية على تجارة الأعلام فقط. ففي محافظات الوسط والجنوب، ترتفع مستويات الطلب على الحمص، العدس، الأرز، الزيوت، واللحوم والدجاج، كونها تُستخدم في إعداد وجبات “المواكب” التي تُقدّم في الشوارع أو البيوت. وتشير التقديرات إلى أن الإنفاق الشعبي على المواد الغذائية خلال أيام محرم قد يتجاوز 200 مليار دينار عراقي، ما يعكس عمق الانخراط الشعبي – من أفراد وعائلات ومواكب – في طقوس تقديم الطعام.

كما ينتعش سوق القدور والملاعق والصحون البلاستيكية، وتزداد حركة النقل والشحن. حتى القطاع الصحي يتأثر، حيث يرتفع الطلب على المعقمات والكمامات ومستلزمات النظافة بسبب كثافة التجمعات. وبهذا يتحول شهر محرم من مناسبة دينية إلى موسم اقتصادي متكامل.
جاسم، الذي لا يكتفي ببيع الأعلام بل يُشرف على تصميمها وتنسيق وصولها، يرى الأمر أوسع من تجارة. يقول وهو يراقب زوايا محله:
“أنا لا أبيع قماشًا… أنا أجهز ذاكرة الناس لهذا الشهر”.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



