البصرة – نغم مكي
رنين، شمس، وسارة، ثلاث شابات من البصرة اختَرْن أن لا يكتفين بمراقبة التلوث والضرر البيئي، بل أن يدخلن إلى عمق المشكلات عبر البحث العلمي والعمل الميداني. في مختبرات الجامعات، وبين الحقول والمزارع، وضعن المعرفة في خدمة مدينة تعاني بصمت من الأوبئة البيئية.
في محافظة تُعدّ من بين الأكثر تلوثًا في العراق بفعل النشاط النفطي وتراجع الرقابة البيئية، وجدن أن أمامهن فرصة لتقديم حلول مستدامة تبدأ من التربة، وتمتد إلى صحة النساء، والحيوانات، والسكان جميعًا. تجاربهن لا تصرخ في الشوارع، لكنها ترسم بصبر خريطة طريق لبيئة أكثر أمانًا.
رنين: من خريطة الألم إلى خريطة التلوث
وصلت رنين الأسدي (29 عامًا)، طالبة الماجستير في الجغرافيا البيئية، إلى قضاء الشعيبة، وهي ناحية تقع جنوب غرب البصرة على بُعد نحو 35 كيلومترًا. لم تكن تلك الزيارة مجرّد محطة صيفية ضمن جدولها البحثي، بل شكّلت لحظة حاسمة في مسارها الأكاديمي والإنساني. جاء ذلك خلال فترة بحثٍ ميداني امتدت لنحو ثمانية أشهر، شملت إعداد الإطار النظري، وجمع البيانات وتحليلها، وصولًا إلى صياغة النتائج والتوصيات تحت إشراف أكاديمي.

في الشعيبة، سمعت النساء يتحدثن عن إجهاضات متكررة، عقم، وأجساد تعاني من وهنٍ مزمن بلا سبب ظاهر. لم تكن رنين تبحث عن قصة، لكنها وجدت فرضية علمية: ما العلاقة بين التلوث النفطي والأمراض النسائية؟
تشير دراسات طبية إلى أن التعرض المستمر للهيدروكربونات ومشتقات النفط يمكن أن يسبب اضطرابات هرمونية، ويزيد من نسب الإجهاض والعقم والتشوّهات الخلقية. وتُعد النساء والفئات الضعيفة الأكثر تأثرًا بهذه المواد السامة، خاصة في البيئات القريبة من مواقع الحرق والانبعاثات.
بدأت رنين بجمع البيانات الميدانية، وإجراء المقابلات، ثم استعانت بنظم المعلومات الجغرافية (GIS) لرسم خريطة تربط بين مواقع التلوث ومعدلات الإجهاض والتشوّهات الخلقية في البصرة.
تقول رنين بحسرة: “البصرة مدينة تعيش على النفط لكنها تموت من التلوث بصمت. الأجساد النسائية هي أول من يشعر بالخطر، لكنها آخر من يُصغى إليه”.
من خلال بحثها، توصّلت إلى نتائج علمية بارزة، مؤكدة أن محافظة البصرة تُعد من أكبر مصادر تلوث الهواء الناتج عن الصناعة النفطية، وهي المصدر الرئيسي لانبعاثات الهيدروكربونات النفطية. إذ تنتج البصرة نحو 3.04 مليون برميل يوميًا، وتُطلق الانبعاثات الغازية من قرابة 700 شعلة غازية.
وبحسب بياناتها، تم تسجيل أعلى مجموع لحالات الإجهاض العفوي في البصرة سنة 2016 بواقع 3115 حالة، فيما بلغ عقم النساء أعلى معدلاته في عام 2019 بواقع 464 حالة، وسُجلت أعلى حالات التشوهات الولادية عام 2015 بواقع 3898 حالة.
النتائج التي توصلت إليها فتحت بابًا جديدًا في الجغرافيا الطبية، وكشفت بوضوح عمق التداخل بين الإهمال البيئي وصحة النساء في جنوب العراق.
شمس: فطر “كورديسيبس” في مواجهة المبيدات
في قسم وقاية النبات، داخل كلية الزراعة بجامعة البصرة، كانت شمس عبد الرحمن (25 عامًا) تمضي ساعاتها في دراسة فطر لا يُرى بالعين المجردة. لكنها كانت ترى فيه شيئًا أكبر من كائن دقيق: حليفًا طبيعيًا في معركة معقدة ضد المبيدات الكيميائية.
تُستخدم المبيدات الكيميائية في الزراعة العراقية بشكل واسع، غالبًا دون رقابة أو إرشادات بيئية، ما يؤدي إلى أضرار في التربة، وتركز المواد السامة في المحاصيل. وأشارت تقارير محلية إلى تزايد حالات التسمم والتلوث الغذائي المرتبطة ببقايا المبيدات في الخضراوات والفواكه.

طوّرت شمس هذا الفطر ليصبح معلقًا فطريًا يمكن استخدامه في مكافحة الآفات التي تصيب محاصيل الباذنجان. النتائج كانت مشجعة: انخفاض بنسبة 80% في أعداد الحشرات دون أضرار جانبية.
تقول شمس: “كل مبيد يُرش هو احتمال لمرض جديد. ما أريده هو حل لا يقتل الحشرة فقط، بل يحمي التربة، والنبات، والناس”.

تأمل شمس أن يصبح هذا النوع من المكافحة الأحيائية جزءًا من منظومة الزراعة المستدامة في العراق، لكنها تعرف أن الطريق طويل، وأن العلم وحده لا يكفي دون إرادة سياسية ومجتمعية.
تؤمن شمس بأن مجال الزراعة هو العمود الفقري للأمن الغذائي، وأن حماية المحاصيل من الآفات بشكل آمن ومستدام هو أمر جوهري لمستقبل هذا القطاع، وهو أحد أهم الدوافع لاختيارها هذا المجال.
سارة: الطب البيطري كجدار أول للدفاع عن البيئة
في كلية الطب البيطري بجامعة البصرة، لا تكتفي سارة سالم بإلقاء المحاضرات. إلى جانب عملها الأكاديمي، تدير ورشًا حول “الصحة الواحدة”، المفهوم الذي يربط بين صحة الحيوان والإنسان والبيئة.

“الصحة الواحدة” هو مفهوم علمي عالمي يقوم على فهم التداخل بين صحة الإنسان، والحيوان، والنظام البيئي، باعتبارها مكونات مترابطة. ويُستخدم هذا النموذج في التعامل مع الأوبئة، وسلامة الغذاء، ومراقبة مسببات الأمراض في سلاسل الإنتاج الحيواني.
في أبحاثها، وجدت سارة أن البروبيوتك كمكمل طبيعي يمكن أن يعزز مناعة الماشية والدواجن، ما يقلل الحاجة إلى المضادات الحيوية، ويخفف من أثرها التراكمي في السلسلة الغذائية.
تشير سارة إلى أن “غياب الرقابة على الأعلاف قد يؤدي إلى كارثة بيئية داخل أجسام الحيوانات، قد لا نكتشفها إلا بعد فوات الأوان”.

بالنسبة لسارة، لا ينتهي دور الطبيب البيطري في العيادة أو الحظيرة، بل يبدأ من هناك، ويمتد حتى صحة المستهلك الذي لا يعرف غالبًا أن وجبته بدأت من حقل، أو من إصطبل.
وتؤكد أهمية القطاع الخاص ودوره الأساسي في دعم البحث العلمي لأنه المستفيد الأول من صحة الحيوان وجودة الإنتاج، لكن حتى الآن مشاركته محدودة. وتضيف: “العلم يجب أن يكون في خدمة المجتمع، ولذلك من وجهة نظري، تفعيل شراكة بين الوزارات المعنية يعزز الأمن الغذائي ويقلل من الأمراض الحيوانية التي تهدد صحة الإنسان”.
رنين وشمس وسارة، اختارت هؤلاء الشابات أن يكن الصوت الذي يعمل بصمت، بعيدًا عن الأضواء، لكنهن تركن أثرًا علميًا لا يمكن تجاهله من أجل مدينة تطمح أن تكون أقل تلوثًا وأمراضًا وأكثر أمنًا غذائيًا.
أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



