جدول ماء يشق قلب بلدين متجاورين

 سلام هانەدني – هورامان

في ناحية بيارة التابعة لمنطقة هورامان في ريف حلبجة، يشق جدول ريّ صغير قلب بلدين متجاورين، ويشكّل مشهدًا نادرًا يلخّص التداخل الجغرافي والبشري بين العراق وإيران. هذا الموقع تحوّل إلى منطقة سياحية تستقطب مئات الزوار يوميًا، ممن يقطعون عشرات الكيلومترات طلبًا للراحة والاستجمام.

ينبع ماء الجدول من الأراضي الإيرانية، ويعبر الحدود ليصبّ في أراضي إقليم كوردستان العراق. ويبلغ طوله نحو كيلومترين، ويشكّل حدًا طبيعيًا يفصل بين بلدة بيارة من الجانب العراقي وقرية “هانكرملة” (هانه‌گه‌رمڵه‌) من الجانب الإيراني، وهما من أقرب التجمعات السكنية المتجاورة على طرفي الحدود.

على ضفتي الجدول تنتشر مقاهٍ ودكاكين شاي صغيرة يرتادها السكان المحليون والزوار للاستمتاع بالمأكولات والمشروبات وسط طبيعة فاتنة وهواء نقي.

ومنذ عقود، يعتمد سكان بيارة على مياه الجدول في ريّ بساتينهم، حتى تشابكت ملكيات الأراضي بين الطرفين بشكل يصعب فصله إلا من قِبل أصحابها أنفسهم. فقد تجاوزت العلاقات الاجتماعية الحدود السياسية، وتشابكت أنشطة الأهالي اليومية على نحوٍ يجعلهم وكأنهم أبناء منطقة واحدة.

“الحدود من صنع اليد”

صالح محمد، البالغ من العمر 60 عامًا، سائح من بغداد يقيم في هولندا، يقول لـ”منصة ميديا”: “الحدود هنا خطوط من صنع الإنسان. اختلاط المواطنين والزوار خلق علاقة اجتماعية وسياحية عابرة للحدود. المكان هادئ وجميل ومليء بالتفاصيل الخلابة”.

ويضيف: “البساتين، الطبيعة، المناخ، وجدران المنازل، جميعها تبهج النظر. من الرائع أن تقف هنا وتقول: هذه إيران وتلك العراق… بخطوة واحدة فقط”.

يقول أحد العاملين في مكاتب السياحة إن الزوار من مختلف المدن، خاصة أربيل، يطلبون دائمًا إدراج هورامان وبيارة ضمن جدول زياراتهم، ويحرصون على التقاط صور تذكارية قرب الجدول.

أما مروان، مشرف سياحي من السليمانية، فيوضح: “غالبًا ما أقود السياح العرب إلى بيارة. يأتون خصيصًا لرؤية هذا الجدول الذي يفصل بين العراق وإيران. يقولون إنهم عبروا حدود دولة بخطوة واحدة فقط، من دون جواز سفر. لقد زرت هذا المكان أكثر من عشرين مرة، واليوم أتيت مع عائلتي”.

ويضيف أن ما يميز المنطقة هو طابعها الطبيعي غير المُشوّه، إذ ما زالت بكرًا لم تمسها تغييرات عمرانية كبيرة، مما يضفي عليها طابعًا من السكينة والتجدد في كل زيارة.

من بئر إلى حدود رمزية

عامر محسن، سائح آخر، وصف المشهد بقوله: “إنه منظر فريد. جدول صغير يتحوّل إلى علامة فاصلة بين بلدين. تقدّمت خطوة فدخلت إيران، ثم عدت خطوة إلى الخلف فأصبحت في العراق”.

محمد صالح، 29 عامًا، جاء من سوران وزار المنطقة عدة مرات. يقول: “المنطقة ساحرة وهادئة، وسكانها طيبون يتميزون بلهجة وثقافة خاصة. طبيعتها الجبلية وبساتينها ومساحاتها الخضراء تمنحها سحرًا لا أجده في أماكن أخرى”.

ويشير إلى أن الوجود الأمني على الحدود مريح وغير متشدد: “القوى الأمنية ترشد الزوار ولا تعيقهم. يمكننا الجلوس على الضفتين، العراقية والإيرانية، والتقاط الصور بحرية تامة. الحدود هنا بسيطة، كأنها مرسومة باليد”.

بيارة… جغرافيا وسياحة وهوية

تقع ناحية بيارة على بُعد 20 كيلومترًا شرق محافظة حلبجة، وتحولت إلى ناحية رسمية عام 1972. تشتهر بواديها الأخضر وبساتينها الكثيفة، وهي من المناطق السياحية البارزة في إقليم كوردستان، حيث تستقطب آلاف العائلات سنويًا.

تعمل هيئة السياحة في إقليم كوردستان، بالتعاون مع الجانب العراقي، على إدراج بيارة ضمن القرى السياحية المعترف بها رسميًا.

سَنگَر عثمان، صاحب مقهى “عثمان الهورامي” المقام مباشرة على الجدول الحدودي، يقول: “قرب بيارة من قرية هانكرملة جعل سكان الجانبين وكأنهم يعيشون في منطقة واحدة. الزيارات، الزواج، التجوال اليومي… لا أحد يسأل عن الحدود”.

ويضيف أن الجدول أصبح حدودًا رسمية بموجب اتفاقية الجزائر عام 1975، وكان سابقًا ترابيًا قبل أن يُعاد تبليطه بالخرسانة، ما أضفى عليه طابعًا سياحيًا لافتًا.

ويتابع: “مقهاي قائم على الخط الحدودي تمامًا. يزورنا العرب والكرد والإيرانيون وحتى الأجانب. نقدم الشاي، القهوة، النسكافيه، والمشروبات الغازية. والمقهى مفتوح طوال السنة”.

كما يشير إلى أن جمال بيارة لا يقتصر على الصيف فحسب، بل يزداد في الشتاء مع تساقط الثلوج، وتبقى مقصدًا للسياحة العامة والدينية على مدار السنة، خاصة أنها تضم واحدة من أقدم التكايا النقشبندية في كوردستان.

سوق بيارة… حدود تتنفس

تضم بيارة 28 قرية، وتتصل حدوديًا مع قرى إيرانية من الشمال والشرق، وناحيتي سيروان وخورمال من الجنوب والغرب. هذه الجغرافيا المفتوحة أسهمت في تعزيز التبادل اليومي بين السكان.

ويقول السكان إن جيرانهم من القرى الإيرانية يزورون سوق بيارة يوميًا لبيع منتجاتهم المحلية من الجوز، دبس الرمان، دبس التوت، والخبز الهورامي.

بل إن بعضهم أنشأوا مقاهي بسيطة على الضفة الإيرانية من الجدول، يرتادها السياح لشرب الشاي مقابل الدينار العراقي أو التومان الإيراني، دون أن يسأل أحد عن العملة أو الجهة المقابلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى