قصص من الشارع

حين يصبح الرصيف مكتبة: أبو مريم يفتح أبواب القراءة للجميع

05/08/2025

مهدي غريب- بغداد

في قلب شارع الرشيد العريق، حيث الأرصفة تحاكي ذاكرة بغداد، يجلس أبو مريم صباح كل يوم، يصفّ كتبه على الأرض بحب، ثم يبدأ بمناداته المألوفة “الكتاب بخمسمية.. لا تفوّت الفرصة!”، لكن هذا النداء لم يكن دعوة لبيع بقدر ما كان رسالة ثقافية يصرّ صاحبها على أن تصل.

أبو مريم، 65 عاماً، كُتبي عتيق، يعمل منذ أكثر من 30 عاماً في بيع الكتب على أرصفة الرشيد، لكنه في السنوات الأخيرة، أطلق مبادرة فريدة، بيع الكتاب بسعر رمزي لا يتجاوز 500 دينار عراقي (نحو 30 سنتاً)، بهدف نشر الثقافة، وتقديم الكتاب كحقّ للجميع، لا سلعة للنخبة.

“أنا مو بياع، أنا صاحب فكرة”، يقول بابتسامة هادئة، بينما يمد يده بكتاب متهالك إلى أحد المارّة.

ويضيف “الناس دا تنسى تقرأ.. وأنا أحاول أذكرهم.. بخمسمية دينار بس، حتى الطالب والبطال يگدر ياخذ كتاب ويقرأ”.

قراءة للفقراء.. مبادرة تخترق الصمت

ما يفعله أبو مريم يومياً يتعدى التجارة. فالرجل لا يسعى للربح، بل يؤمن أن “الثقافة مثل الخبز، يجب أن تكون بمتناول الجميع”.

تحتوي بسطية أبو مريم على كتبٍ أدبية، دينية، فكرية، وبعض الروايات العالمية المترجمة، وكلها تباع بالسعر نفسه: 500 دينار فقط.

“حتى لو ما عندك فلوس، تعال اخد كتاب”، يكرر أبو مريم على مسامع من يتردد. “المهم تقرأ.. مو المهم تدفع”.

أصوات شابة: حلم القراءة يعود

في الزاوية المقابلة، وقف علي سامي، شاب بعمر 18 عاماً، يطالع كتاباً في الأدب العربي باهتمام، يقولُ علي بينما يطالع الكتاب “أنا من سكنة الأعظمية، وكل يوم أمر منا. قبل ما أشوف أبو مريم، ما چنت أتصور أكدر أشتري كتاب، خاصة بهالأسعار. اليوم عندي مكتبة صغيرة بغرفتي، كلها من ابو مريم”.

إلى جانبه، يقف سجاد محمد، 23 عاماً، طالب في كلية الفنون الجميلة، يبتسم وهو يتصفح رواية روسية مترجمة.

“القراءة حلوة، بس الأسعار العالية خلتها ترف. مبادرة أبو مريم خلتنا نرجع نقرأ بدون ما نفكر بالفلوس. هذا الشي يفتح أبواب للوعي والثقافة والاطلاع.

رأي المثقفين: فعل ثقافي نبيل

عباس حسن، 60 عاماً، صاحب مكتبة قديمة في منطقة شارع المتنبي، يرى في مبادرة أبو مريم فعلاً ثقافياً يستحق الدعم.

“ما يقوم به هذا الرجل ليس بيع كتب، بل بناء وعي. في ظل انشغال السوق بالربح، يقول حسن ذوو 60 عاماً “الثقافة ليست حكراً على القادرين مالياً. هذه المبادرة أعادت قيمة الكتاب في عيون الشباب”.

ويضيف: “الجيل الحالي بحاجة لمن يؤمن به، وأبو مريم فعلها من دون دعم رسمي ولا حملة إعلامية. فقط هو وكتبه وصوته الذي ينادي به كل صباح”.

ما بعد البيع.. إرث ثقافي على الرصيف

خارج إطار البيع، يُعد مكان أبو مريم نقطة التقاء ثقافي. يمرّ المارة ليس فقط للشراء، بل للحديث معه، أو لسؤاله عن كتاب معين، أو حتى للجلوس قليلاً ومشاركته الشاي الذي يحضره كل صباح.

“هواي شباب رجعوا للقراءة بسبب المبادرة الي قدمتها. مرات يجون، يگولون هاي أول مرة أقرا، ومرات يرجعون يبدلون الكتاب بعد أسبوع ويطلبون غيره. هذا اللي أريده”، يقول بحماس.

ويضيف ضاحكاً: “أني أشوف روحي مو بس كتبي.. رصيفي صار ملتقى ثقافي!”.

حين يصبح الرصيف مكتبةً حُرّة

في بلد يعاني من تراجع معدلات القراءة، وارتفاع أسعار الكتب، وانشغال المؤسسات الثقافية بالتنظير، يأتي صوت أبو مريم الصادق ليذكر الجميع بأن التغيير لا يحتاج أكثر من إرادة حقيقية.

“خمسمية دينار ما تسوي شي اليوم، بس إذا سوّت فرق بعقل واحد، أنا رابح”، يختم حديثه.

في زحمة شارع الرشيد، لم يعد مكان أبو مريم مجرد بسطة، بل صار مكتبةً حرة، ومبادرةً تنبض بأمل صغير يُزرَع على الرصيف.. لكنه يمتد في العقول.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali