منذ النقوش البابلية حتى يدي رواسي: سليلة وادي الرافدين تعيد للسنطور صوته الخالد

المنصة- أحمد كوكب
في بيت صغير ببغداد عام 2003، وُلدت رواسي نمير وكبرت وسط دفء عائلة تعشق الموسيقى وتدلل أبناءها. لم يكن البيت عامرًا بالترف بقدر ما كان مشبعًا بوليمةٍ روحية تقدّمها الأذن قبل المائدة: وجبة تبدأ بألحان بليغ حمدي، وتُسكب بصوت أم كلثوم، وتتزين برهافة فيروز، وتُختتم بدفء ناظم الغزالي. هناك، حيث كانت الأم أول الداعمين ووراءها العائلة كلها، تشكّل مبكرًا لدى رواسي ذلك الشعور الذي يشبه اليقين: أن الحياة بلا موسيقى ناقصة.
في سن الرابعة أمسكت الكمان، لكن يدها اليسرى أرهقتها، وكأن الأوتار لا تعترف بيسراويتها. وكمن يبحث عن صوت يناسب قلبه، انتقلت بين الآلات حتى جاءت نقطة التحول في العاشرة من عمرها.
في إحدى قاعات مدرسة الموسيقى والباليه، رأت مدرّستين تُدرّبان الطلبة على آلة لم ترها من قبل: السنطور. لم يكن مجرد آلة خشبية مشدودة الأوتار، بل بابًا لعالم جديد. صوته اخترق أذنها كوميض ضوء، وصداه تردد في روحها كمئات الأجراس. تقول: “من تلك اللحظة بدأ التحدي… أردت أن أجعل السنطور امتدادًا لأنفاسي”. ولم يكن دور المدرّستين هلا وجنان مقتصرًا على التعليم، بل تعدّاه إلى الحب والاهتمام اللذين لم يفارقاها طوال سنوات دراستها.
السنطور ليس آلة عادية، بل عمره أكثر من 4500 سنة. ظهر في نقوش بابلية، وعُزف في عرس نبوخذ نصر الثاني، وانتشر لاحقًا في الأندلس وأوروبا بأسماء وأشكال مختلفة. لكن النسخة العراقية احتفظت بخصوصيتها، إذ تضم 95 وترًا وتُعزف بمطارق خشبية صغيرة، وتتميز بوجود “الربع تون” الذي يميز الموسيقى الشرقية عن الغربية. تقول رواسي: “هذه الآلة هي هويتنا. مختلفة، صعبة، لكنها تحمل روح تراثنا”.

لم تكن تعلم أن صوتها يملك ما يدهش. في دروس الكورال وحفلات نهاية العام اكتشف الأساتذة قدرته، فنصحوها بالغناء. في الصف الخامس الابتدائي غنّت لأول مرة مقطعًا من “الزنجيل”، ومن هناك بدأت رحلتها كمغنية بجانب العزف.
طريقها لم يكن سهلًا. فقد درست أولًا القسم الغربي حيث تعاملت مع موزارت وباخ، ثم انتقلت إلى القسم الشرقي حيث اصطدمت بعوالم مختلفة: سماعي، لونجا، بشف… أنماط عراقية وعربية تختلف في روحها وبنيتها. تقول: “أحيانًا أعزف مقطوعة غربية على آلة شرقية صعبة، وأحيانًا أدرس المقام العراقي العريق. هذا التنوع يزيد رصيدي الفني ويعلّمني أن الموسيقى بحر لا قاع له”. واليوم تواصل دراستها في كلية الفنون الجميلة – قسم الموسيقى، حيث تعمّقت أكثر في المقامات والأطوار العراقية إلى جانب دراستها النظرية والعملية.
تحت إشراف المايسترو علاء مجيد، أحد أهم ملهميها، أصبحت متدربة ثم عضوة في الفرقة الوطنية للتراث الموسيقي العراقي، وأبدعت في عزف التراث. أما في فرقة “سومريات” النسوية فقد فتحت أمامها أبوابًا أوسع: من التراث العراقي إلى العربي وحتى الأجنبي. تقول عن تجربتها: “أشعر بالفخر والتباهي. اختلاف اختصاصاتنا لم يمنعنا، حبنا للموسيقى جمعنا لنقدّم رسالة أن المرأة العراقية قادرة على الإبداع في كل المجالات”.
وعن هويتها الفنية تجيب بلا تردّد: “أنا عازفة أولًا”. فالسنوات الطويلة مع السنطور صنعت منها عازفة ناضجة، بينما ترى أن الصوت البشري يحتاج وقتًا ليكتمل بعد العشرين. لكنها اليوم تجمع بين الاثنين: العزف والغناء، وهو أمر لم يكن سهلًا، بل جاء بالتمرين المتواصل والمثابرة.

تقول إنها لا تملك “حفلًا فارقًا” بعينه، لأن كل عرض يعني لها الكثير. لكن هناك لحظات صغيرة لا تُنسى، مثل ذلك الموقف حين داست قدم مصور على سلك المايك فانقطع الصوت فجأة، فلم تتوقف وأكملت بصلابة، وكأنها تعلّمت أن العثرات ليست سوى جزء من العرض.
بعد عام 2003، شهدت الموسيقى العراقية موجة تراجع قاسية. كثير من الفنانين هاجروا، وبعض المؤسسات الفنية أغلقت أبوابها أو تقلص دورها تحت ضغط الفوضى الأمنية وتدهور الدعم الرسمي. غابت المسارح الكبرى أو تحولت إلى أطلال، وباتت محاولات الإحياء تعتمد على مبادرات فردية أو جهود صغيرة متفرقة. ومع ذلك، بدأ في العقد الأخير ما يشبه النهوض البطيء، عبر فرق مثل “الفرقة الوطنية” ومشاريع نسوية مثل “سومريات” أعادت تقديم التراث بصياغات حديثة، محاولةً ترميم ما تكسر في الذاكرة الجمعية.
الموسيقى في العراق ليست عابرة، بل جزء من الذاكرة والهوية الوطنية. تقول: “المشهد الموسيقي عرف لحظات من التشظي، لكنه اليوم يزدهر مجددًا بفضل جهود الفرقة الوطنية، سومريات، وبعض الفرق الأخرى”. أما الجمهور، فما زال وفيًا. “الجمهور العراقي مثقف وواعٍ وما يزال يقدّر تراثه”.
مصادر إلهامها ليست مقتصرة على عمالقة الغناء مثل ناظم الغزالي، فيروز، وأم كلثوم، بل أيضًا أساتذتها الأقرب: علاء مجيد، هلا بسام، هزار بسام، أحمد عبد الجبار، وعبد المنعم السامرائي. هؤلاء رسموا ملامح طريقها وتركوا في قلبها قناعة أن الفن ليس هواية عابرة، بل رسالة ذات أثر.

اليوم تحلم رواسي بأن تقدم المقام العراقي بصوتها، وأن تعزف منفردة على السنطور، وأن تتعاون مع ثقافات موسيقية أخرى لتشارك في حفلات مشتركة، ليصبح صوتها جسرًا بين شعوب مختلفة. تقول: “بعد عشر سنوات، أرى نفسي فنانة حافظة للتراث العراقي ومدرّسة تخرّج أجيالًا جديدة تكمل الرسالة”.
الموسيقى بالنسبة إليها ليست مجرد أنغام، بل رسالة سلام ومحبة، لغة قادرة على جمع البشر مهما اختلفت أديانهم وأعراقهم. وهي توجّه رسالتها لكل فتاة تحلم بالموسيقى: “لا تستسلمي. الموسيقى تمنح الحياة روحًا، تمنح العقل أجنحة، والمخيلة طيرانًا. إن سعيتِ بإصرار، ستصلين”.
في قاعة فارغة بعد بروفة طويلة، تضع رواسي السنطور أمامها برفق، تمرر يدها على أوتاره كما لو كانت تربت على كتف صديق قديم. يتردد آخر صدى للنغمة في المكان، يختلط بصوت أنفاسها المتعبة، ثم تنهض، تغلق غطاء الآلة وتبتسم، كأنها تعرف أن ما ينتظرها غدًا ليس مجرد تمرين آخر، بل فصل جديد في قصة نجاح لم تُكتب نهايتها بعد.
أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)



