مدارس غير معلنة: خريجات يواجهن البطالة من بيوتهن

بغداد- روان وصفي
باتت الشهادة الجامعية في العراق بالنسبة لشبّان وشابات كثر أشبه حبراً على ورق، فمع تراكم أعداد الخريجين عاماً بعد عام، اتجه الآلاف منهم إلى أعمال بعيدة كل البعد عن تخصصاتهم: سائق أجرة يحمل شهادة الهندسة، صاحب مطعم شعبي أنهى دراسة العلوم السياسية، وخياطة جاهدت لتحصل على شهادة في اللغات.
وبالنسبة للنساء على وجه الخصوص، تزداد المشكلة تعقيداً بسبب الأعراف الاجتماعية التي تحدّ من إمكانية عملهن في القطاع الخاص أو قبولهن بساعات دوام طويلة، فتبقى العديد منهن في البيوت بعد إنهاء البكالوريوس على أمل تعيين حكومي قد لا يأتي.
أمام هذا الواقع، اتجهت خريجات جامعيات إلى التدريس الخصوصي داخل المنازل، منهن الشابة فرح علي، خريجة إدارة واقتصاد، وتبلغ من العمر 29 عاماً. تقول فرح: “التعيين مفقود الأمل منه، والقطاع الخاص أوقاته غير مناسبة، لهذا السبب اتجهت لتدريس المراحل المتوسطة في المنزل”. وتوضح أن بعض الطلبة يأتون إليها فقط من أجل أداء الواجبات أو المراجعة، بينما آخرون يحتاجون إلى إعادة شرح بسبب ضعف المتابعة داخل الصفوف المزدحمة.
رحمة أحمد، خريجة قسم اللغات بجامعة بغداد، تروي تجربتها قائلة: “عملت سابقاً في محل لمستحضرات التجميل، لكن دوام المحل لم يتناسب مع وقتي وأسرتي، فاتجهت للتدريس الخصوصي لمادة الإنكليزي. أستقبل طلابي على الطاولة في بيتي وأتفق معهم على أوقات تناسبني، وبذلك أتجنب مشاكل مع عائلتي”.
بعض المعلمات الخصوصيات تعلقن بالمهنة وبتلاميذهن إلى درجة يصعب معها التخلي عنها. صفا، وهي خريجة أخرى، تقول بابتسامة: “حتى لو وجدت تعيين حكومي لن أتخلى عن التدريس. صار جزءاً مني وفرحتي بنجاح الطلبة تفوق فرحتي بتخرجي”.
رغم أن العراق يضم واحداً من أكبر أعداد الخريجين سنوياً في المنطقة، فإن أزمة التعيين الحكومي مستمرة منذ عقدين تقريباً. بعد عام 2003، أصبح التعيين في دوائر الدولة أداة سياسية أكثر منه حاجة مؤسساتية، وتضاعفت أعداد الخريجين من دون وجود استيعاب حقيقي في الجهاز الإداري.
وتشير تقارير البنك الدولي ووزارة التخطيط العراقية إلى أن نسب البطالة بين الشباب وصلت إلى ما يزيد على 25%، بينما ترتفع البطالة بين النساء إلى ضعف هذه النسبة تقريباً في بعض المحافظات.
تشرح رحمة أن القطاع الخاص، الذي يُفترض أن يكون متنفساً، ما يزال ضعيفاً وغير قادر على استيعاب الأعداد الكبيرة من الخريجين. وغالباً ما تُرفض فرص العمل فيه من قبل النساء بسبب طول ساعات الدوام وغياب الضمانات الاجتماعية أو الأعراف التي ترى في خروج المرأة للعمل ضمن بيئة مختلطة مساساً بمكانتها العائلية.
“بهذا تضيق الخيارات أمام الخريجات بين انتظار التعيين الحكومي المجهول أو اللجوء إلى أعمال غير رسمية من داخل المنازل، مثل التدريس الخصوصي أو الأعمال اليدوية، لتأمين مصدر دخل والاستمرار في المشاركة بالحياة الاقتصادية”.

لكن الأمر لا يقتصر على الخريجات، بل امتد إلى الطالبات الجامعيات أنفسهن اللواتي لجأن للتدريس لضمان فرصة عمل لهن حتى قبل التخرج. روز إحسان، طالبة في المرحلة الثانية بكلية القانون، تقول: “أنا عندي أختين، وثلاثتنا ندرس بالجامعة ونحتاج مصاريف كبيرة.. لو تخرجت من الجامعة فمن الصعب علي إيجاد فرصة عمل، لذا قررت ان اكسب الوقت وبدأت التدريس الخصوصي”.
وتتابع: “في البداية كان الأمر صعباً خصوصاً كوني أدرّس كل المواد لمرحلة معينة، لكن مع الوقت تأقلمت وصرت أشجع أخواتي على البدء أيضاً”.
من جانب الأهالي، بات الاعتماد على المعلمات الخصوصيات حلاً عملياً. تقول أم علي: “ولدي علي منذ الأول ابتدائي وهو يدرس عند معلمة خصوصي ترافقه كل سنة. الآن هو بالسادس ابتدائي. صحتي لا تسمح لي بتدريسه، ووالده يعود مرهقاً من العمل، والواجبات كثيرة، لذلك استعنت بالست بمدرسة لتدريسه جميع المواد”.
تجربة الأهالي والطلبة مع التدريس الخصوصي تعكس ثغرات عميقة في النظام التعليمي الرسمي. فبحسب وزارة التربية لعام 2022، هناك نحو 750 ألف معلم ومدرس، من ضمنهم المحاضرون الذين أضيفوا إلى السلك التعليمي عام 2019. لكن الأعداد الهائلة داخل الصفوف تحرم المعلم من التركيز على الطلبة ضعاف المستوى، فيلجأ الأهل إلى بديل منزلي يضمن متابعة فردية.
تقول روز بابتسامة وهي تروي إحدى المواقف: “الأطفال ممتعين رغم صعوبتهم. مرة سألت أحد طلابي: 2 + 3 كم يساوي؟ فأجاب بثقة: 32. لما سألته كيف؟ قال: لأن الجمع يعني أن نضع الرقمين جنب بعضهم”. وتضيف مازحة: “تعلمت ألا أسأل عن السبب، فقط أصحح”.
هذه المهنة صارت موسمية في ازدهارها، لكنها مستمرة طوال العام، حتى في العطلة الصيفية حيث يضع الأهل أبناءهم عند المعلمات الخصوصيات للتقوية والاستعداد للعام الجديد. وتؤكد فرح علي: “عملي مستمر طول السنة، عدا يوم الجمعة. يزداد الطلب أيام الامتحانات النصف سنوية والسنوية، فهناك من يضع أبناءه عندي فقط لتلك الفترة”.
وسط انسداد أفق التعيين وتراجع فرص القطاع الخاص، تبدو هذه المدارس الصغيرة داخل البيوت استجابة واقعية لظروف اقتصادية واجتماعية قاسية. لكنها في الوقت نفسه مؤشر على أزمة تعليمية عميقة، حيث صار مستقبل الطلبة مرهوناً بقدرة عوائلهم على دفع كلفة إضافية، وبقدرة خريجات عاطلات على تحويل بيوتهن إلى صفوف دراسية بديلة.
أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)



