سترة الأمل: ابتكار عراقي نسوي يمنح الأطفال نفساً جديداً

بغداد- موج إياد
في أحد بيوت بغداد البسيطة جلست طفلة تُدعى “روچين” تحاول أن تلتقط أنفاسها بصعوبة. صدرها الصغير يعلو ويهبط بشكل متقطع، وصوت سعالها المتكرر يملأ الغرفة. على الطاولة إلى جانبها أدوية لا تنتهي، وفي عيني أمها قلق لا يهدأ. الفيديو الذي وثّق تلك اللحظة كان قصيراً جداً، لكنه كان كفيلاً بأن يترك أثراً عميقاً في قلب شابة من الموصل تُدعى “غفران جوهر محمد”.
تقول غفران وهي تستعيد تلك اللحظة: “شفت روچين تكح وتتنفس بصعوبة… والله ما گدرت أنام. حسّيت الموضوع مو بعيد ولازم أسوي شي. تواصلت ويه أمها حتى أعرف أكثر عن تفاصيل مرضها ومعاناتها”.
رسالة تتجاوز حدود الطب
تلك المشاهدة العفوية لم تكن مجرد تعاطف عابر، بل نقطة تحوّل في حياتها. غفران، التي تبلغ من العمر 23 عاماً، لم تكن مجرد طالبة هندسة أجهزة طبية على وشك التخرج، بل كانت أيضاً كاتبة روائية تحلم بأن تصنع فرقاً في حياة الآخرين. وبينما كان زملاؤها يبحثون عن مشاريع تقليدية لتقديمها كاختبار نهائي، كانت هي تفكر بوجع روچين وأطفال آخرين مثلها يعانون من مرض نادر يُدعى “التليف الكيسي”، وهو مرض يملأ الرئتين بالبلغم ويجعل كل شهيق معركة، وكل زفير انتصاراً صغيراً.
من هنا وُلدت فكرة ابتكار “سترة هزازة” تساعد هؤلاء الأطفال على التنفس بحرية. تقول: “من شفت روچين، كلشي تغيّر… حتى مشروع التخرج صار بالنسبة إليّ قضية مو مجرد درجات”. لم يكن مشروعها مجرد واجب جامعي، بل حلماً امتزج بالمسؤولية والرحمة، ليتحوّل لاحقاً إلى اختراع معتمد يحمله الأطباء بين أيديهم ويمنح الأطفال فرصة للراحة.
من غرف المرضى إلى المختبر
تقول غفران: “البداية چانت بمواد بسيطة جمعتها بصعوبة. بمحاولات متكررة صنعت النموذج الأول، استعنت بقطع إلكترونية، ومن سنة ٢٠٢٤ لحد ٢٠٢٥ ظلّيت أعدّل حتى وصلت لشكل عملي مناسب”.
بدأت روچين باستخدام السترة، ومع كل تجربة كانت تعطي ملاحظاتها الدقيقة، فتعود غفران لتطوّر التصميم أكثر فأكثر، حتى أصبح مناسباً ومريحاً للأطفال. تقول غفران بابتسامة يملؤها الاعتزاز: “روچين علّمتني هواي.. حتى ملاحظاتها الصغيرة غيّرت بالسترة كثير وخلّتها تكون مناسبة أكثر لصاحب المرض”.
سترة غفران ليست مجرد بديل رخيص للأجهزة العالمية، بل صُممت بعناية لتلبي احتياجات الأطفال العراقيين بشكل واقعي وفعّال. فهي خفيفة الوزن ومريحة، تسمح للطفل بالجلوس أو الحركة أثناء استخدامها دون شعور بالثقل. كما أنها متوفرة بمقاسات متعددة تناسب الأطفال من مختلف الأعمار، مع آلية اهتزاز قابلة للتعديل يدوياً بحسب حالة كل طفل، ما يجعل الجلسات العلاجية آمنة وفعّالة.
إضافة إلى ذلك، صُنعت السترة من مواد محلية متينة تراعي المعايير الطبية الأساسية لضمان سلامة الطفل أثناء الاستخدام اليومي. ويكمن عملها الأساسي في تحريك المخاط داخل الشعب الهوائية لتسهيل طرده، وتحسين التنفس، وتقليل الالتهابات المتكررة. وبذلك تحقق نفس الهدف الأساسي للأجهزة العالمية مثل AffloVest وSmartVest، لكن بسعر منخفض جداً يبدأ من ٢٠٠ إلى ٢٥٠ ألف دينار عراقي، ما يجعلها متاحة للأسر العراقية.
ابتكار محلي يقف أمام منافسين عالميين
تقول غفران: “السترة مالتي مو بس جهاز، هي حل واقعي للأطفال هنا.. تجمع كلشي من الأمان، الراحة، الفعالية، وسهولة الاستخدام، وبتكلفة مناسبة للعائلات”.
وعند المقارنة مع الأجهزة العالمية يظهر الفارق واضحاً: السترات مثل AffloVest وSmartVest متطورة تقنياً، مزوّدة ببرمجة رقمية وتحكم ذكي وأحياناً تطبيقات لمتابعة الطبيب، لكنها باهظة الثمن (10 – 25 ألف دولار) وغالباً بعيدة عن متناول العوائل العراقية. بينما سترة غفران تجمع بين التوفير المحلي، السلامة، الفعالية وسهولة الاستخدام، مع كلفة أقل بكثير، ما يجعلها حلاً واقعياً قابلاً للتطبيق داخل العراق.
وتضيف: “صحيح الأجهزة العالمية متطورة أكثر تقنياً، بس السترة مالتي تقدم نفس المبدأ الأساسي.. الاهتزازات اللي تساعد الطفل يتخلص من البلغم وتخلي تنفسه أسهل”.
أفكار للغد
رغم نجاح سترة غفران في تقديم الراحة للأطفال المصابين بالتليف الكيسي، إلا أنها لا تزال ترى أمامها مساحة كبيرة للتطوير. تقول: “الفكرة مو مجرد جهاز جاهز… دايماً أكو مجال للتحسين، وإضافة مزايا جديدة تخلي الاستخدام أسهل وأكثر فعالية”.
حالياً، تعمل غفران على دمج عناصر ذكية وتقنيات إضافية في السترة، مثل مراقبة العلامات الحيوية للأطفال أثناء الجلسة، أو تطوير نظام معايرة ذاتية للاهتزاز يضمن أفضل تأثير حسب حالة كل طفل. كما تفكر في ربط السترة بتطبيق خاص على الهاتف يسمح للأهل بتنظيم جدول الاستخدام ومتابعة أداء الجهاز، ما يجعل العلاج أكثر تفاعلية ويزيد من راحة الأسرة.
وتكمل: “حالياً أفتقد بعض الخبرة، بس هذا ما يمنعني من المحاولة… أريد أطور السترة حتى تكون جهاز متكامل يخدم الأطفال بشكل أفضل”.
الدعم الذي جعل الفكرة تبقى حية
لم تكن رحلة غفران سهلة، فقد واجهت صعوبات كبيرة في توفير المواد الأساسية للتصميم، إضافة إلى العقبة المالية بعد التخرج، إذ لم يكن لديها أي مصدر دخل مستقل لدعم مشروعها. ومع ذلك لم تتراجع، بل وجدت الدعم أولاً من والدها الذي آمن بفكرتها وشجّعها باستمرار، ثم من منظمة “أُمنية الإنسانية” التي قدمت لها التسهيلات اللازمة لتوصيل الابتكار إلى أطفال التليف الكيسي.
ولم يقتصر الدعم على الأهل والمنظمة، بل لاحظ بعض الأطباء فعالية السترة وبدأوا يوصون مرضاهم بتجربتها، حتى انتشر صيتها تدريجياً بين الأطفال المصابين داخل العراق، لتصبح أكثر من مجرد ابتكار بل أملاً ملموساً للعائلات.
تقول غفران بثقة: “أنا مؤمنة بنفسي.. ولو چنت أسمع للتشكيك ما چان صرت اليوم بهذا المكان. الفكرة مو بس جهاز، هي حلم للأطفال اللي محتاجين شي يخفف عليهم”.
ما يليق بيهم الألم… كلمات تلخص الحلم
رحلة غفران جوهر لم تكن مجرد ابتكار طبي، بل قصة إصرار وشغف مليئة بالإيمان والقدرة على التغيير. بكلماتها الخاصة تقول: “الأطفال همه أكثر أشخاص بالعالم يستحقون لحظات مليئة بالراحة والسعادة، ما يليق بيهم الألم ولا شحذ الأنفاس. إذا گدرت أسوي شي يسهّل عليهم حياتهم فهذا أكبر إنجاز بالنسبة إليّ”.
بهذه الكلمات يظهر الابتكار وكأنه نبض قلب شابة عراقية يتجاوز حدود الورق، ليصل إلى الحياة اليومية للأطفال المحتاجين، مؤكداً أن الرحمة والعلم يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب، صانعين فرقاً حقيقياً.
أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)



