المنصة- موج أياد
في غرفة يغمرها ضوء أصفر دافئ، تتوزع على الجدران لوحات زيتية وألوان لم تجف بعد، وعلى كرسي خشبي تستند قطعة قماش تنتظر أن تتحول إلى فستان، بينما تجلس ساهرة فراس، ابنة الاثنين والعشرين عامًا، تتأمل المشهد ما بين الريشة والخيط وكأنها تعيد ترتيب العالم على طريقتها.
تتذكر مصممة الأزياء الشابة بداياتها قائلة: “كنت أريد أن أعمل بشيء ما يكون عادي ولا روتيني، وبحكم أني فنانة تشكيلية، رغبت أن ألقى مجال أقدر أعبر بي عن الفن اللي أحبه”.

ورغم أن العراق لا يملك مدارس أو معاهد متخصصة في تصميم الأزياء كما هو الحال في دول عربية أخرى مثل لبنان ومصر، فإن جيلًا جديدًا من الشباب العراقيين يحاول شق طريقه عبر التجارب الفردية والمنصات الرقمية.
عام 2023 كان محطة فارقة في حياتها المهنية، إذ تقدمت ساهرة لأول مرة لوظيفة مساعدة منسق أزياء عبر إعلان وجدته على الانترنيت، وبعدها لم يمر وقت طويل حتى أصبحت تدير الإعلانات وحدها كمنسقة أزياء.
تقول: “وأني صغيرة كان حلمي أن أكون رسامة وفنانة. كنت أصمم وأرسم الأزياء وأتخيل نفسي أعمل في هذا المجال، بس ما خطر ببالي أني راح أعيش هذا الحلم”. بالنسبة لها، تنسيق الأزياء فن موازٍ للرسم، “اللي جذبني في تنسيق الأزياء هو أنه فن مثل الرسم. أقدر ألعب بالألوان والقصات والأقمشة، ولهذا حسيت أني بمكاني الصحيح”.
خلال العقدين الأخيرين، لعبت الدراما العراقية والإعلانات التجارية دورًا في إنعاش سوق الأزياء المحلي، وكان كثير من منسقي الأزياء، مثل ساهرة، يجدون في الأعمال الدرامية بوابة لعرض موهبتهم، خاصة مع عودة الإنتاج التلفزيوني بعد سنوات من التراجع.

عملت ساهرة في مسلسلات عراقية، أبرزها “ميليشيات نسائية”. تصف التجربة: “كان أصعب عمل درامي مر علي، لأنه يحتوي على شخصيات كثيرة، وكان التحدي أن أمنح كل شخصية تميزها واختلافها ودورها في المسلسل”.
وتضيف: “جلوسي مع المخرج قبل أي عمل مهمة أساسية. هو يشوف الشخصية من زاوية إخراجية وأنا أركز على الجانب الإبداعي بيها، فلازم نلتقي بنقطة وسطية”. لكنها تشكو أن “هواي ناس يشوفون أن وجود منسق الأزياء مو مهم. هذه فكرة غلط تمامًا. الزي جزء من تعريف أي شخصية أو عمل”.
تتابع ساهرة المشهد العراقي في الأزياء بعيون فاحصة: “حاليًا أكو نقلة صحيحة جدًا في عالم الأزياء بالعراق. بلشنا نعترف بأساسيات الأزياء ونراعي الذوق العام. الشعب العراقي من بداياته كان عنده ذائقة واضحة خلتهم أيقونة لحد الآن. صحيح أكو تصرفات فردية، لكن الأغلبية في تطور ملحوظ وواضح”.

مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت الأزياء تتحول من هواية فردية إلى مجال عمل لشريحة واسعة من الشباب العراقيين. إنستغرام وتيك توك فتحا مساحة لعرض التجارب الجديدة، ومكّنا منسقي الأزياء والمصممين من الوصول إلى جمهور أوسع داخل العراق وخارجه.
لكن رغم هذا الحراك، ما يزال العراق يفتقر إلى دور عرض كبرى أو أسابيع موضة محلية تضاهي ما يجري في المنطقة. غالبية المبادرات فردية أو عبر الفضاء الرقمي، وهو ما يجعل حلم المصممين العراقيين بالوصول إلى العالمية محفوفًا بغياب البنية المؤسسية.

تقول ساهرة إن أسماء عالمية تلهمها، مثل إيلي صعب، لكن قدوتها الكبرى هي زها حديد. “هواي ما يعرفون أنها تركت بصمة في الأزياء أيضًا، مو بس بالمعمار والهندسة”. تراها دليلًا حيًا على أن الفن طاقة واحدة: “زها حديد كانت إلها نظرة فنية. الخطوط الهندسية اللي أبدعتها بالمباني شافت أنها ممكن تتحول إلى أزياء ومكملات شخصية راقية”.
لم تكتف الفنانة الشابة بتنسيق الملابس، بل بدأت خطواتها الأولى في التصميم. “من طموحاتي أن أصل للعالمية، لكن الأهم بالنسبة إلي حالياً هو أن أثبت نفسي عربيًا”. بالنسبة لها، “التنسيق يعني فهم الشخصية، أما التصميم فيعني خلق شخصية وهوية جديدة”. تقول إنها ترسم تصميماتها الخاصة بوقت الفراغ محاولة الابتعاد عن التقليدي في السوق العراقي. كما شاركت في مسلسل “ولاية بطيخ” الجزء التاسع، ما أضاف إلى خبرتها في عالم الموضة.

من أبرز مبادرات ساهرة كان إطلاقها مجلة إلكترونية للموضة: “كنت أبحث عن معلومات تخص الموضة، لكن ما لكيت الشي اللي أريده بمكان واحد يجمع الأجوبة. لهالسبب قررت أسوي حساب يجمع كل ما يتعلق بالأزياء، من التنسيق، إلى الأفلام اللي تناولت الموضة، إلى تاريخها وأبرز المصممين”. توضح أن المجلة ليست موجهة للمحترفين فقط، “هي تقدم معلومات مهمة للناس عامة سواء للاطلاع أو للحصول على أفكار للتنسيق أو حتى للتعلم كمهنة”.
رغم تعدد أدوارها كرسامة وستايلست ومصممة ناشئة، ترى أنها متوازنة: “كل ما أفعله هو شيء أحبه، مو واجب. أشعر أني أصنع فنًا لذلك ما أستثقل مسؤولياتي، بالعكس ممتنة للحياة اللي أعطتني فرصة أعيشها كما أحب وبدون روتين”.
وتضيف: “جزء كبير مني أني أعبر عن نفسي من خلال الأزياء. صرت أعرف الناس من ملابسهم وألوانهم وإكسسواراتهم. الأزياء مو عمل فقط، هي جزء من عقليتي وشخصيتي”.

اليوم تطمح ساهرة لتأسيس مساحة آمنة للشباب العراقيين الذين يحملون شغف الأزياء: “أريد أوفر إلهم مكان يشعرون بيه أن حلمهم ممكن. كنت مثلهم واحتاج من يؤمن بي وينطيني دافع، واليوم دوري حتى أكون اليد المساعدة”.
وترى أن رسالتها لا تبتعد كثيرًا عن تلك التي حملتها زها حديد يومًا ما، رسالة تقول إن الإبداع لا وطن له ولا عمر ولا حدود. فكما تركت زها بصمتها على العالم المعماري والأزياء، تحلم ساهرة أن تترك بصمتها في عالم الموضة. تقول “لا تستغنون عن حلمكم أبدًا. جنت أحلم وأدافع عن حلمي من الصغر، وكبرت وكبر الحلم وياي، واليوم أعيش ثمرة هذا الإصرار. هذه مجرد البداية”.

بعد يوم طويل من اختيارات وتنسيقات، تعود ساهرة إلى غرفتها حيث تنتظرها الأقمشة وخطوط التصميم على الأوراق. هناك، يبدأ حلم جديد يأخذ شكله، وتثبت أن الفن بالنسبة لها ليس ترفًا، بل أسلوب حياة وصناعة للأمل.
أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



