من شارع أبو نؤاس إلى المتنبي: بغداديات على دراجات من أجل البيئة

بغداد- مهدي غريب
في صباحٍ هادئ من أيام بغداد، تتجه ثلاث صديقات إلى شارع أبو نؤاس حيث التجمع الأسبوعي لفريق الدراجات النسائي. هناك يلتقين ببقية المشاركات، ويبدأ اللقاء بتحياتٍ وضحكاتٍ ومقاطع قصيرة عن الحياة اليومية على الدراجة. بعد الاستعداد، تنطلق المجموعة باتجاه شارع المتنبي لإقامة ندوة ثقافية عن البيئة والمناخ، تحمل معها قصصاً عن الحرية والاستقلالية في حياة النساء.

رنا جاسم، البالغة من العمر 38 عاماً، تركب دراجتها الرمادية بثقة وتقول إنها تستخدمها يومياً للذهاب من بيتها إلى عملها، مضيفةً: “اليوم جمعة، نلتقي بالفريق في أبو نؤاس لننطلق جميعاً إلى المتنبي لإقامة الندوة الثقافية حول البيئة والمناخ. هذه الرحلات تعطيني شعوراً بالحرية والنشاط في كل صباح، كما تمنحنا فرصة لتبادل المعرفة حول البيئة والمناخ مع الآخرين”.
أما عذراء صاحب، البالغة من العمر 54 عاماً، فتلتحق برنا على دراجتها الزرقاء. بابتسامة هادئة تقول: “أستخدم الدراجة في التنقل اليومي، للتبضع، للتسوق، وحتى لمقابلة صديقاتي. كل شيء تقريباً أصبح أسهل بالدراجة، واليوم سننطلق مع الفريق إلى المتنبي لإقامة الندوة الثقافية حول البيئة والمناخ”.
استمرار رنا وعذراء في ركوب الدراجة يعكس تحوّلاً ملموساً في حياة النساء في بغداد. فبعد أن كانت الدراجة تُعد وسيلة حكرًا على الأطفال أو الرجال، أصبحت اليوم جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، تجمع بين الرياضة والراحة النفسية والاستقلالية. وبمرور الوقت، تحولت إلى وسيلة عملية وآمنة للتنقل في مدينة مزدحمة، تعاني من الازدحام والضوضاء وقلة البدائل المرورية.
تواجه بغداد اليوم أزمة تلوث متفاقمة بسبب كثافة السيارات والدراجات النارية، إذ تملأ الأبخرة والغبار سماء المدينة، مسببة أمراضاً تنفسية وآثاراً مباشرة على الصحة العامة. كما تسهم المركبات المتوقفة لساعات طويلة في ارتفاع درجات الحرارة والضوضاء، ما يضاعف العبء على الحياة اليومية، بينما تبقى النساء والأطفال الفئات الأكثر تأثراً بهذه الظروف.
في هذا الواقع، تبدو الدراجة الهوائية وسيلة نقل بسيطة لكنها فعالة وصديقة للبيئة. استخدامها يقلل من الانبعاثات الضارة ويخفف من الازدحام ويحسّن جودة الهواء، إلى جانب دورها في ترسيخ ثقافة الاستدامة وتشجيع النساء على التفكير في بدائل أكثر وعياً بيئياً. كل رحلة بالدراجة هي خطوة صغيرة نحو بيئة أنظف وحياة أكثر توازناً.
يعمل الفريق النسوي المنظم لهذه الأنشطة على تعليم النساء قيادة الدراجة مجاناً، وتقديم دروس عن البيئة والتصحر والممارسات المستدامة. كما يشارك الفريق في ماراثونات نسوية داخل المحافظات لتعزيز الوعي البيئي، ما جعل التجربة تتحول إلى مبادرة محلية تدعم النقل المستدام وتربط بين النشاط الرياضي والمعرفة البيئية. ومع انطلاق الفريق من أبو نؤاس كل أسبوع، تصبح الرحلة أشبه بورشة ميدانية تتقاطع فيها الرياضة والتثقيف البيئي، وتُظهر للمارة أن الدراجة يمكن أن تكون أداة للتغيير الاجتماعي والبيئي في آنٍ واحد.
نور الزهراء رياض، 24 عاماً، تنضم إلى رنا وعذراء عند أبو نؤاس. تقول بابتسامة: “أحب ركوب الدراجة لأنها ليست مجرد وسيلة للتنقل، بل خيار صديق للبيئة. كل مرة نركب فيها نساهم في تقليل التلوث وتحسين الهواء، ونشجع الآخرين على التفكير بطريقة مستدامة”. بالنسبة إلى نور، لم تعد الدراجة مجرّد وسيلة نقل أو رياضة، بل خيار عملي وصحي يعبّر عن وعي بيئي متزايد بين النساء في المدينة.

تسعى منظمات محلية ودولية في العراق إلى دعم مثل هذه المبادرات، من خلال برامج تشجع النساء على استخدام وسائل النقل المستدامة، وتعمل على توفير مسارات آمنة للدراجات داخل المدن الكبرى. وتهدف هذه الجهود إلى تحسين جودة الحياة في بغداد والتخفيف من آثار التغير المناخي في واحدة من أكثر مدن الشرق الأوسط تأثراً بالتلوث والحرارة.
يتجمع الفريق النسوي أسبوعياً في أبو نؤاس، ثم ينطلق عبر شوارع بغداد وصولاً إلى شارع المتنبي لإقامة الندوة الثقافية حول البيئة والمناخ. تتناغم الضحكات مع حركة العجلات فيما يراقب المارة النساء وهنّ يتحركن بثقة وسط الزحام. تحمل كل واحدة منهن قصة عن استقلالها وكيف تغلبت على القيود الاجتماعية والتحديات اليومية. تمنح هذه الرحلات الأسبوعية النساء مساحة للتواصل وتبادل الخبرات وتعليم أخريات قيادة الدراجة بثقة وأمان، ما يساهم في بناء وعي اجتماعي أوسع، ويقدّم نموذجاً إيجابياً للشابات اللواتي يبحثن عن حرية الحركة والاستقلال.

ومع كل دورة عجلة، تؤكد رنا وعذراء ونور الزهراء أن الدراجة ليست مجرد وسيلة نقل، بل خيارٌ للحياة اليومية، يربط بين النشاط البدني والوعي البيئي، ويمنح النساء شعوراً متجدداً بالثقة والقدرة على الحركة. التغيير لا يأتي دفعة واحدة، لكنه يبدأ بخطوات صغيرة، وبعجلاتٍ تدور في شوارع مزدحمة تحمل في حركتها إصراراً على حياة أفضل.
في النهاية، تُظهر هذه الجولة الأسبوعية أن الدراجة الهوائية في بغداد لم تعد وسيلة ترفيه أو رياضة فقط، بل أسلوب حياة يجمع بين الصحة والاستقلالية والوعي البيئي، ويشير إلى بدايات ثقافة حضرية جديدة في المدينة.
أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)



