فريق نسوي استشاري في ذي قار.. تجربة تعيد رسم دور المرأة في الرقابة وصنع القرار

ذي قار- مرتضى الحدود

في تجربة هي الأولى من نوعها على مستوى محافظة ذي قار، تشكّل فريقٌ استشاري نسوي تطوعي يمارس دورًا رقابيًا واستشاريًا تجاه عمل الحكومة المحلية، مقدّمًا الأفكار والملاحظات والمقترحات التي تسهم في تطوير السياسات العامة من منظورٍ نسوي وتنموي.

هذا الفريق الذي انطلق رسميًا في أواخر عام 2024، جاء ثمرة مبادرة محلية تقودها مجموعة من الناشطات في المجتمع المدني، بدعمٍ من المعهد الديمقراطي الوطني (NDI) ضمن برنامج يهدف إلى تمكين النساء في المحافظات الجنوبية وتعزيز مهارات القيادة والتأثير في صنع القرار المحلي.

منار ماجد، التدريسية في جامعة ذي قار والناشطة الأكاديمية في المجال البيئي، تتحدث بابتسامة واثقة عن تجربتها في قيادة أول فريق نسوي استشاري في المحافظة، وتصفها بأنها “نقلة نوعية في العمل الجماعي النسوي تعتمد على البيانات والأرقام لا على الانطباعات، وتقدّم حلولًا واقعية مبنية على التحليل العلمي”.

وتضيف في حديثها للمنصة: “ما يميز عملنا أننا لا نطلق الشعارات، بل نعمل وفق أرقام ومعطيات واضحة، نرصد الخلل في الأداء ونقترح الحلول من منظور علمي وموضوعي”.

انطلقت فكرة الفريق من مشروعٍ أطلقه المعهد الديمقراطي الوطني في أواخر عام 2024، وهو مبادرة دولية تهدف إلى دعم القيادة النسوية في المجتمعات المحلية. وتروي ماجد تفاصيل التأسيس قائلة: “كانت الخطوة الأولى عبر برنامج تدريبي نظمته الـNDI لتأسيس فرق نسوية قيادية. وبعد فترة قصيرة، تم اختياري مع أربع عشرة امرأة من مختلف الاختصاصات لعقد أولى جلساتنا ووضع الخطوط العامة للعمل”. وتضيف أن الفريق أقرّ لاحقًا نظامًا داخليًا ينظم آلية العمل، وانتُخبت رئيسةً للفريق بعد نيلها ثقة زميلاتها.

ما إن اكتمل التأسيس، حتى انطلقت منار وزميلاتها إلى الميدان. بدأ الفريق بتشخيص مواطن الخلل في الخدمات والسياسات المحلية واضعًا أمامه هدفًا واضحًا: أن تمارس النساء دورًا رقابيًا بنّاءً، يكون صوتهنّ فيه موضوعيًا ومهنيًا داخل المجتمع المحلي.

تقول ماجد: “بدأنا بإعداد أولى أوراق السياسات واستندنا فيها إلى بيانات ميدانية دقيقة، وأنجزنا ورقتين أساسيتين؛ الأولى تناولت التغيرات المناخية وتأثيرها على النساء في مناطق أهوار الجبايش، والثانية تناولت واقع مستشفى الحوراء في مدينة الشطرة”.

توضح ماجد أن العمل على تلك الأوراق تطلّب جمع معلومات ميدانية وإجراء مقابلات وتنفيذ استبانات بالتعاون مع الدوائر الصحية والجهات المعنية، حتى خرجت النتائج مدعومة بالأرقام والتوصيات الدقيقة.

وتؤكد أن هذه الأوراق لم تكن تمرينًا أكاديميًا بل مدخلًا حقيقيًا لتغيير السياسات المحلية. “الأثر الذي نطمح إليه لا يقتصر على النساء فقط، بل يشمل المجتمع بأكمله، لأن الضرر البيئي أو الخدمي لا يميز بين رجل وامرأة، لكن المرأة تتحمل الجزء الأكبر من نتائجه، لذلك نعمل على معالجته بعمق”.

وتأتي أهمية هذه التجربة في سياق تراجع مشاركة النساء في صنع القرار المحلي على مستوى العراق، رغم أن الدستور العراقي يكفل لهنّ حق التمثيل والمشاركة. لذلك ينظر كثيرون إلى تجربة ذي قار كاختبار عملي لإدماج النساء في الرقابة والتنمية عبر آليات مؤسسية مستقلة.

مستشار محافظ ذي قار، حيدر سعدي، يرى أن الدور الذي يؤديه الفريق النسوي الاستشاري يمثل “إضافة حقيقية لعمل الحكومة المحلية والمركزية، من خلال الاستشارات والمقترحات البنّاءة التي تسهم في تطوير الأداء الإداري والخدمي وتعزيز المشاركة المجتمعية”. ويضيف في حديثه للمنصة أن الفريق “بات نموذجًا للتكامل بين العمل الحكومي والمجتمعي، إذ يسعى إلى تعزيز مشاركة المرأة وتمكينها في مواقع صنع القرار، وضمان إيصال صوتها وملاحظاتها على المستويين المحلي والوطني”.

ويشير سعدي إلى أن الحكومة المحلية في ذي قار تواصل دعم هذا الفريق ومتابعة توصياته، “لأنه نموذج ريادي يعكس الوعي المتزايد بأهمية إشراك النساء في الرقابة والتخطيط والتنمية”، مضيفًا أن “نجاح التجربة قد يمهّد لتعميمها على محافظات أخرى مستقبلاً”.

تستعد الأكاديمية منار ماجد لإطلاق ورشة ميدانية بعد الانتخابات المقبلة، تجمع ممثلين عن الحكومة المحلية في منطقة الجبايش، بهدف إيصال صوت النساء المتأثرات مباشرةً بالتغيرات المناخية في الأهوار.

تقول منار: “الهدف هو نقل صورة حقيقية لصنّاع القرار حول معاناة المرأة في المناطق المائية، والبحث عن حلول عملية أعدّها الفريق مسبقًا لتكون جاهزة للنقاش والتنفيذ الفوري”. وتضيف: “نريد أن نختصر الوقت أمام المسؤولين، فالحلول جاهزة والميدان ينتظر التنفيذ”.

وتوضح أن العمل الميداني والتفاعل المباشر مع الواقع البيئي والاجتماعي هو الطريق الأمثل لصياغة قرارات تنموية حقيقية، مشيرة إلى أن “الورش الميدانية هي وسيلة فعالة لتقريب الفجوة بين المجتمع المحلي والسلطات التنفيذية”.

من جانبها، ترى سؤدد الرماحي، عضوة الفريق النسوي الاستشاري، أن هذه التجربة “شكّلت إضافة حقيقية لدور المرأة في العمل المجتمعي، وأثبتت أن العمل الجماعي المنظم قادر على إحداث أثر ملموس في بيئة العمل المحلي”. وتقول للمنصة: “العمل التطوعي بالنسبة للمرأة الجنوبية ليس أمرًا مكتسبًا بل فطري ومتجذر في طبيعتها. ونجاح الفريق لم يكن صدفة، بل نتيجة اختيار دقيق للأعضاء الذين يمتلكون خبرات وتجارب ميدانية”. وتضيف أن “هذا التنوع في الاختصاصات مكّن الفريق من التحرك بثقة ومهنية في متابعة قضايا المرأة والتواصل مع صنّاع القرار لإيجاد حلول واقعية”.

وتشير الرماحي إلى أنه حتى في حال انتهاء فترة دعم المشروع الراعي لتأسيس الفريق، “لن تكون نهاية التجربة بل بداية لمرحلة جديدة من العمل التطوعي النسوي المستقل”. وتوضح: “حتى بعد انتهاء المشروع، سيبقى الفريق حافزًا لبقية النساء لتشكيل مجموعات جديدة تواصل النهج ذاته، فالفكرة أصبحت اليوم ملكًا للمجتمع النسوي في ذي قار”.

وتعد محافظة ذي قار من أبرز المناطق التي تشهد نشاطًا متزايدًا في العمل التطوعي، خاصة بين فئة الشباب والنساء. فبحسب مديرية الشباب والرياضة في المحافظة، يوجد ما يقارب 100 فريق متطوع يعملون بانتظام في مبادرات خدمية وتنموية تشمل حملات الزراعة والتنظيف وصيانة المباني الحكومية.

يقول مهند السهلاني، مدير دائرة الشباب والرياضة في ذي قار، إن “هذه الجهود تأتي ضمن رؤية المديرية لدعم العمل التطوعي الشبابي، إذ توفّر المديرية الغطاء القانوني والإداري للمبادرات لضمان استمراريتها وتحويلها إلى أنشطة مؤسسية دائمة بدلًا من جهود فردية مؤقتة”.

وفي الوقت الذي تتسابق فيه المبادرات الشبابية والنسوية لتغيير الواقع المحلي في ذي قار، يبرز الفريق النسوي الاستشاري كأحد أكثر التجارب نضجًا واستدامة، بحسب مراقبين. فهو ليس مجرد مجموعة من الناشطات، بل فريق قيادي متكامل استطاع أن يربط بين المعرفة الأكاديمية والواقع الميداني، مقدّمًا نموذجًا واقعيًا لتمكين المرأة قائمًا على العمل والإنجاز لا على الشعارات.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى