قصص من الشارع

مستشفى الناصرية للقلب مهدد بالدخول إلى غرفة الإنعاش

19/10/2026

ذي قار- علاء كولي

وجوه شاحبة ومرهقة تعلو ملامح ذوي المرضى الذين يجلسون لساعات طويلة في قاعة انتظار “كرفان” لا يتجاوز طولها عشرة أمتار في مستشفى الناصرية للقلب. هناك، تبدو بعض المقاعد خاوية، فيما أصاب الاعوجاج بعضها الآخر لكثرة من مروا على هذا المكان.

وبينما يغفو بعض ذوي المرضى على المقاعد، يفترش آخرون الأرض، ويقف آخرون عند عتبة القاعة يدخنون السجائر. وبين حركة الداخلين والخارجين من بوابة المراجعين، يعلو ضجيج السيارات وسائقي الأجرة في مرأب الناصرية الموحد المجاور للمستشفى، وهم ينادون الزبائن بأعلى أصواتهم.

مستشفى الناصرية للقلب ليس المركز الوحيد المتخصص بجراحة القلب في العراق. وبحسب دائرة التخطيط في وزارة الصحة، هناك بين 8 و10 مستشفيات متخصصة حصراً بأمراض وجراحة القلب، إلى جانب أقسام القلب داخل المستشفيات العامة.

اطباء يعاينون احد المرضى

ومن أبرز هذه المؤسسات مستشفى ابن البيطار التخصصي لجراحة القلب، وهو المركز الأكبر في العراق، والمركز العراقي لجراحة القلب، ومدينة الطب، ومركز ابن النفيس لأمراض القلب. وفي النجف يوجد مركز لأمراض القلب والتداخل القسطاري، وهو من المراكز المتطورة، إلى جانب مركز أمراض القلب في البصرة، ومركزي جراحة القلب في دهوك وأربيل، وأخيراً مستشفى خاتم الأنبياء التخصصي للقلب والأوعية الدموية في كربلاء، وهو قيد الإنشاء.

استطاع مستشفى الناصرية للقلب أن يعالج آلاف الحالات المرضية بأجور بسيطة تكاد تكون مجانية، بما فيها العمليات الجراحية والقسطارية التي يجريها أطباء متخصصون منذ عام 2007 وحتى اليوم، بحسب المعاون الإداري لمدير المستشفى حيدر الزركاني.

ويقول الزركاني: “المستشفى يستقبل يومياً عشرات الحالات، ويجري العمليات بشكل مستمر، وهناك رقابة ومتابعة من إدارة المستشفى للمريض منذ دخوله وحتى خروجه، كما أننا نستقبل مرضى من كل المحافظات”.

نواة التأسيس

يُعد مستشفى الناصرية للقلب واحداً من أهم المؤسسات الصحية في محافظة ذي قار وجنوب العراق، وهو مركز متخصص بجراحة القلب والعمليات القسطارية ومن أكثر المؤسسات نشاطاً. بدأت نواته الأولى عام 2007 كقسم خاص في مستشفى الحسين التعليمي، ثم افتُتح القسم الجراحي عام 2008، قبل أن يُفتتح المستشفى عام 2013 في بناية مستقلة متخصصة بجراحة القلب.

وحافظ المستشفى على مستوى من التنظيم والإدارة يميزه عن كثير من المؤسسات الأخرى؛ فالنظافة واضحة في الممرات، فيما يسود الهدوء أجنحة المرضى وقاعات العمليات. وعادة ما تكون الممرات والردهات والأجنحة خالية من ذوي المرضى، إذ يُمنع دخول المرافقين إلا في حالات نادرة، عندما يكون المريض مقعداً أو يحتاج إلى مرافق. كما تُحدد الزيارات بيومين فقط، لأن إدارة المستشفى تتولى رعاية المريض، وتفرض تعليمات صارمة بشأن الدخول والتجوال داخل الأجنحة حتى استكمال العلاج.

ردهة لإسعاف للمرضى

تبلغ سعة مستشفى الناصرية للقلب 125 سريراً، ويتكون المبنى من ثلاثة طوابق. يضم الطابق الأرضي العيادة الخارجية وقسم عيوب القلب الخلقية والمكاتب الإدارية، فيما يحتوي الطابق الأول على جناحين؛ الشمالي يضم جناح الجراحة والجناح المتوسط ووحدة العناية المركزة وغرف العمليات.

أما الجناح الجنوبي فيضم جناح أمراض القلب للرجال، ووحدة العناية القلبية المركزة (CCU)، وغرف القسطرة. ويحتوي الطابق الثاني أيضاً على جناحين؛ الشمالي يضم مساكن الأطباء، والجنوبي مقسم بين جناح أمراض القلب للنساء ومساكن إضافية للأطباء.

أرقام كبيرة للعمليات

في كانون الثاني/يناير 2023، أعلن وزير الصحة السابق صالح الحسناوي نجاح أول عملية معقدة ونادرة لزراعة قلب صناعي في مستشفى الناصرية للقلب، اعتُبرت الأولى من نوعها في العراق. وشارك في العملية فريق ألماني متخصص لمريض يبلغ من العمر 60 عاماً يعاني من عجز القلب الاحتقاني غير المستجيب للعلاجات. وبعد هذه العملية، أُجريت عشر عمليات ناجحة لزراعة القلب الصناعي حتى نيسان/أبريل2025 

‎⁨‎⁨عيادة عجز القلب في المستشفى

وبحسب جدول عمليات القسطرة والتداخل القسطاري للحالات المكتسبة لدى البالغين للأعوام من 2007 وحتى 2026، تجاوز عدد العمليات 75 ألفاً، بينها 38,357 عملية قسطرة تشخيصية، و23,295 عملية تداخل قسطاري، و6,029 عملية تداخل قسطاري أولي، وتركيب 4,329 منظم قلب، و2,631 عملية كهروفسلجة للقلب، إضافة إلى 439 عملية قسطرة وتداخل طرفي.

أما التداخل القسطاري لتشوهات القلب الولادية لدى الأطفال، فبلغ عدد عملياته منذ عام 2007 وحتى 2026، بحسب إحصائية للمركز، 4,362 عملية، فيما بلغت عمليات القلب المفتوح والصدر والأوعية الدموية 4,135 عملية.

وبلغ عدد الراقدين في مستشفى الناصرية للقلب منذ عام 2007 ولغاية تموز/يوليو 2026، وفق الإحصائية، 114,049 شخصاً، منهم 80,007 من ذي قار، و34,042 من خارج المحافظة.

تخصيصات مالية.. هواء في شبك

أزمة التمويل ونقص السيولة في المؤسسات الصحية ليست جديدة، بل تمتد لسنوات. ففي أيلول/سبتمبر 2013، كشفت لجنة الصحة والبيئة في مجلس ذي قار عن وجود هدر في المال العام وعدم توفر الأدوية السرطانية.

ثم، في عامي 2014 و2015، ومع تعطل إقرار الموازنة العامة، بدأت الدوائر الصحية بإيقاف مشاريعها، وتحولت التخصيصات المالية لاحقاً إلى الرواتب ومخصصات الأدوية. لكن هذه الأموال لم تكن كافية لصيانة أجهزة القسطرة، أو شراء مستلزمات القلب، أو تسديد ديون الشركات المتعاقدة مع المؤسسات الصحية.

واستمرت الأزمة المالية حتى عام 2020، الذي شكل ضربة قاسية للمؤسسات الصحية. ففي آب/أغسطس من ذلك العام، أعلنت صحة ذي قار توقف صرف الأغذية لمرضى كورونا في جميع مراكز العزل بسبب قلة التخصيصات المالية، كما أكد مدير عام الصحة آنذاك سعدي الماجد عدم توفر بعض الأدوية بسبب غياب التخصيصات المالية وعدم فحصها من قبل وزارة الصحة.

احد الممرات المؤدية لجناح العمليات في المستشفى

وفي نيسان/أبريل 2025، قال مقرر مجلس محافظة ذي قار أحمد سليم إن ديون صحة ذي قار تجاوزت 18 مليار دينار، وإن المبالغ المخصصة لها بلغت 50 مليار دينار، إلا أن ما وصل فعلياً من وزارة المالية لم يتجاوز 27 ملياراً.

وقبل ذلك بشهر، في آذار/مارس 2025، كشف رئيس لجنة الصحة في مجلس ذي قار أحمد الخفاجي عن أزمة مالية تمر بها دائرة صحة ذي قار، موضحاً أن عليها ديوناً للمكاتب والشركات الدوائية تبلغ 17 مليار دينار، وأن هذه الجهات توقفت عن تجهيزها بالأدوية النوعية.

ويصف مدير عام صحة ذي قار، د. راشد نجم الخالدي، المشكلة لـ”المنصة” بأنها “أزمة عامة تشمل البلد والوزارات كافة، والصحة جزء منها”.

ويضيف الخالدي: “فيما يتعلق بالواردات، ففي الأعوام السابقة كنا نستثمر 80% للصحة و20% للمالية. ومن بداية العام الجاري أصبحت النسبة 50% للصحة و50% للمالية. وزارة الصحة قدمت طلباً للرجوع إلى النسبة السابقة، وهو اليوم في طور التشريع. بصراحة، ما نعتمد عليه في الدائرة اليوم من الواردات هو الباصات وطبلات دخول المرضى، لكن في المقابل فإن صرفيات الصحة من الأدوية والمستلزمات الطبية كبيرة جداً، والسيولة المالية أساس العمل”.

أما ديون دائرة صحة ذي قار، فيقول الخفاجي إن “أغلبها يعود إلى الأعوام من 2014 إلى 2019، ويصل مجموعها إلى نحو 24 مليار دينار”.

وفي كانون الثاني/يناير 2025، وافقت وزارة المالية رسمياً على تمويل صحة ذي قار لإدامة العمل في مركز القلب وعلاج الأمراض السرطانية.

ردهة انعاش المرضى

لكن الأزمة، بحسب رئيس لجنة الصحة في مجلس ذي قار د. أحمد الخفاجي، لم تكن محصورة بالمحافظة، إذ يؤكد لـ”المنصة” أنها تشمل دوائر الصحة في العراق عموماً، ويعزوها إلى نقص تمويل وزارة الصحة من قبل وزارة المالية، مضيفاً أن استمرارها انعكس على مستوى الخدمات في المؤسسات الصحية.

وطالب الخفاجي وزارة الصحة باستمرار دعم دائرة الصحة بالتمويل المالي والحصة الدوائية الكاملة، قائلاً: “رئيس الوزراء خصص ملياري دينار لدعم مستشفى القلب، والعمل اليوم مستمر في المستشفى، لكنه دون مستوى الطموح وليس بكامل إمكانياته”.

وفي تشرين الأول/أكتوبر الجاري، حذر الخفاجي من تداعيات استمرار عدم تمويل ملفات صحية مهمة، محملاً الحكومة المركزية المسؤولية عن تردي الخدمات، بعد رفض وزارة المالية تمويل مستشفى الناصرية للقلب بمنحة مالية تضمن استمرار تقديم خدماته.

ورغم استجابة رئيس الوزراء وتخصيص ملياري دينار لدعم المستشفى من خلال شركة النفط، يقول الخفاجي إن هذه المنحة “لا تزال حبراً على ورق، ومخاطبات وكتباً تدور منذ أكثر من شهرين في مكاتب المسؤولين”.

تبرعات

جاء الحراك الحكومي بشأن مركز الناصرية للقلب بعد أن نشر المدير السابق للمستشفى، الذي أُحيل إلى التقاعد، د. عقيل الخفاجي، منشوراً على منصات التواصل الاجتماعي دعا فيه أبناء المحافظة إلى التبرع لدعم المستشفى ومواجهة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، ما أثار تفاعلاً واسعاً بين المواطنين.

ودعا عدد من الناشطين والفاعلين على منصات التواصل الاجتماعي إلى التبرع لمستشفى القلب في الناصرية، منتقدين أداء وزارة الصحة والحكومتين المركزية والمحلية، وما وصفوه بقلة الاهتمام بمركز صحي يستقبل المرضى من محافظات العراق المختلفة، من الشمال إلى الجنوب.

لكن التفاعل الشعبي والتخصيصات المالية الموعودة لا يحلان الأزمة من جذورها. فالمبالغ التي أُوعز بصرفها للمستشفى لا تزال غير كافية لإنهاء مشكلات التمويل المتراكمة، فيما يبقى استمرار العجز المالي عاملاً قد ينعكس لاحقاً على قدرة المستشفى على استقبال المرضى وتقديم خدماته.

 

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali