حين تكشف الصحراء أسرارها.. حكاية تنقيب الآثار ترويها فاطمة ومريم في ذي قار

مرتضى الحدود – ذي قار
في عمق صحراء ذي قار، حيث يمتد الأفق بلا نهاية وتتوزع بقايا حضارات وادي الرافدين كطبقات معلّقة بين الزمن والرمل، تقف فتاتان شابتان تحملان فُرش التنقيب وتواجهان حرارة الصحراء وصمتها. وسط مواقع أثرية تعود إلى سومر وأور، وفي بيئة يغلب عليها الغبار أكثر مما يغلب عليها الضوء، تخوض فاطمة عماد ومريم حسن واحدة من أدق المهن وأكثرها صعوبة: التنقيب الأثري. فهما تدركان أن هذه الأرض ليست مجرد رمال، بل ذاكرة بشرية تنتظر من يحرّرها.
مع أول خيط ضوء، تركبان سيارة رباعية الدفع تشق طرقًا ترابية تمتد لعشرات الكيلومترات، بينما تتنقلان من موقع إلى آخر داخل محافظة تبلغ مساحتها أكثر من 12 ألف كيلومتر مربع. وتضم ذي قار أكثر من 1200 موقع أثري، لم يُنقَّب منها سوى نحو 1%، وفق تقديرات المفتشية المحلية. في هذا المشهد، تبدأ قصة فتاتين اختارتا خوض مهنة ظلّت طويلاً حكرًا على الرجال.

في مجتمع يرتبط فيه العمل الميداني الشاق بالرجال، قررت فاطمة ومريم كسر الصورة النمطية، فلم تكونا مجرد عنصرين إضافيين في فريق التنقيب، بل أصبحتا جزءًا من العقل التحليلي للمواقع: تحديد الطبقات الأثرية، ترقيم اللقى، وتوثيق مراحل الحفر. مهام دقيقة تتطلب ثباتًا، تؤديانها بثقة واضحة.

في موقع تَلّو شمال الناصرية، تقف فاطمة عماد وسط الحفريات، بكمامة تقيها الغبار وقبعة تحميها من الشمس، وهي تزيح التراب بجرافة معدنية عن قطعة أثرية يعود تاريخها لآلاف السنين. وتقول بينما تعمل: “بدأ شغفي بالآثار منذ الإعدادية.. كنت مبهورة بالحضارة المصرية من خلال الفيديوهات، وفي وقت لم تكن فيه مواد مرئية عن آثار العراق متوفرة، تمنيت أن أكون منقبة”.

بعد نجاحها في السادس الإعدادي، وضعت جميع كليات الآثار ضمن اختياراتها حتى وصلت عام 2012 إلى كلية الآثار بجامعة القادسية. تتذكر أول تجربة ميدانية لها قائلة: “كانت في تل أدريهم بالقادسية.. عملنا بإشراف أستاذ متخصص، وهناك تأكدت أنني اخترت الطريق الذي أحبّه”.
اليوم تعمل فاطمة في محافظة تُعد من أغنى مناطق العراق بالمواقع الأثرية الممتدة من الحقبة السومرية وحتى الإسلامية، تنشط فيها حاليا أكثر من 10 بعثات أجنبية إلى جانب الفرق العراقية، في محاولة لفتح صفحات لم يُكشف عنها سابقًا من تاريخ وادي الرافدين.
في 2020 حصلت فاطمة على تعيينها الرسمي كمُنقّبة أثرية، وبدأت أول مهمة ميدانية فعلية في 2022. تقول: “عملت في موقع تل كبيبة… موقع يجمع حضارات متعددة من الساسانيين وصولًا إلى العصر الإسلامي. عثرت هناك على أحجار كريمة وقطع فخارية وهياكل عظمية.” ثم تضيف: “واجهت صعوبات كثيرة… الصحراء، العمل بين الرجال، الطين، الغبار، لكني كنت مصممة أن أثبت أن المرأة قادرة على الريادة في هذا المجال”.
هذا الإصرار دفعها لإكمال دراسة الماجستير، ما عزز خبرتها ووسع معرفتها بالمواقع التي تعمل فيها. ويؤكد مدير مفتشية آثار ذي قار شامل الرميض أن عدد العاملين في المواقع يبلغ نحو 90 منقّبًا بينهم 20 امرأة “يعملن بجد واجتهاد ويحصلن على الدعم الضروري لأداء مهامهن”.

على مقربة من فاطمة، تنحني مريم حسن فوق طبقة ترابية عمرها آلاف السنين، تزيل الغبار عن كسرة فخار وتفحص خطوطها كأنها تتتبع لغزًا قديمًا. تقول وهي تجلس في أحد خنادق تلو: “كل قطعة نرفعها تخبرك أن ما نراه من مدن اليوم هو مجرد صفحة أما بقية الكتاب فمدفون هنا، تحت أقدامنا.”
ويُعد موقع تلو (كرسو) أحد أهم مدن مملكة لكش، وقد شهد فترات استيطان مبكرة منذ عصر العبيد. ويُعرف الموقع بوجود قناة اروائية تعود إلى نحو 2000 قبل الميلاد، إضافة إلى تماثيل كوديا التي عُثر عليها في بعثات سابقة، ما يعكس أهمية المدينة الدينية والسياسية في العصور السومرية.

شغف مريم بالآثار لم يكن صدفة؛ فقد كان والدها يعمل حارسًا في مواقع أثرية ويعود إلى المنزل محمّلًا بحكايات عن البعثات والتنقيب. تقول: “أبي هو من غرس في داخلي حب الآثار.. كان يخبرني عن المدن الطينية واللقى، ومنذ طفولتي شعرت أن هذا العالم يناديني”.

بدعم منه، التحقت بكلية الآثار في جامعة الكوفة عام 2016 – 2017، وتخرجت بعد سنوات من الدراسة قبل أن تحصل على تعيينها الرسمي عام 2020 في مفتشية ذي قار.
وتُعد المحافظة اليوم واحدة من أهم مراكز التنقيب في العراق، إذ تعمل فيها تسع بعثات عالمية عام 2025، بينها بعثات أميركية وبريطانية وفرنسية وإيطالية وروسية في واحدة من أوسع حملات التنقيب خلال السنوات الأخيرة.
تقول مريم عن أول عمل ميداني حقيقي لها عام 2022 إلى جانب البعثة البريطانية في تلو: “اكتشفنا لوائح طينية ولقى نادرة.. شعرت حينها أنني أحمل جزءًا من تاريخ البشرية بين يدي”.

بين فاطمة التي وجدت حلمها مدفونًا تحت طبقات الطين، ومريم التي حملت إرث والدها إلى الحقول الأثرية، لا تبدوان مجرد منقّبتين. إنهما راوِيتان للتاريخ، تعيدان وصل ما انقطع من قصص الملوك والكهنة والناس الذين مرّوا من هنا ذات يوم.
هكذا تصبحان جزءًا من مشهد طويل يمتد بامتداد حضارات وادي الرافدين، شاهدتين على أن الحلم حين يُزرع في أرض الحضارات لا يمكن إلا أن ينمو.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).



