ترجمة بلا روح.. كيف تواجه المترجمات العراقيات غزو الذكاء الاصطناعي

أحمد كوكب – بغداد
على مكتب خشبي قديم في بيت بغدادي، وُضِعت ثلاثة معاجم: “أوكسفورد”، “لانغمان”، وقاموس عربي أصفر تقشّرت أطرافه. وبجانبه حاسوب حديث مفتوح على شاشة مترجم آلي. في اللحظة نفسها، تضغط مترجمة على زر “ترجمة”، بينما تقلب أخرى الصفحة الأولى من كتاب أجنبي، وثالثة تهمس بأن “النص لا يُفهم بالمترجم الحرف.. يجب أن نعيشه”.
بين صفحة ورقية وموقع إلكتروني تدور معركة هادئة تخوضها ثلاث مترجمات عراقيات، لكلٍّ منهن تاريخها وقلقها وطريقتها في حماية مهنتها من “غزو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي”. فهذه ليست قصة عن آلات، بل عن نساء يترجمن العالم كي لا يفقد ترجمته البشرية.
نرمين المفتي.. جيل الورق الذي سبق زمن الآلة
تفتح نرمين المفتي ذاكرتها كما تفتح دفتر يومياتها. تقول إنها أحبت الإنجليزية منذ طفولتها، لكن الصحافة كانت حلمها الأول. التحقت عام 1976 بالدورة الأولى لقسم الترجمة في الجامعة المستنصرية، في وقت كانت فيه الترجمة علماً ناشئاً يحتاج شغفاً أكثر من أي شيء آخر. وعندما دخلت الصحافة، أدركت أن “الترجمة ليست خيانة. الخيانة أن تكتب شيئًا لا تفهمه”.
عملت المفتي مترجمة ومنتجة في CNN ثم مترجمة حرّة للنيويورك تايمز، وتضحك حين تتذكر: “كنت أترجم للأطفال أيضاً.. أول كتاب لي كان كوكبنا الجميل عام 1986. أردت أن يكون ابني أول قارئ لي”.

ترى المترجمة العراقية أن الترجمة الفورية “سباق أعصاب”، وأن حرفاً واحداً قادر على تغيير معنى جملة كاملة. وعندما يُسأل عن الذكاء الاصطناعي، يخرج جوابها سريعاً: “غوغل… أصفه بالغباء”، وتروي كيف حوّل جملة “الشباب أمانة على كتفي” إلى “الشباب عبء عليه”. لكنها رغم ذلك لا تعادي التكنولوجيا: “الذكاء الاصطناعي يساعد، لكنه لا ينقل روح النص لأنه بلا إحساس”.
وتضيف بحسرة واضحة أن بغداد التي كانت “عاصمة الترجمة منذ الآشوريين وحتى العباسيين” تحتاج اليوم إلى مؤسسة قوية تعيد للعراق دوره، شبيهة بهيئة الترجمة المصرية أو بدار المأمون في الماضي.
وتقدّر منظمات دولية أن العراق يُعد واحداً من أقل الدول العربية إنتاجاً للترجمة خلال العقدين الأخيرين، إذ لا يتجاوز معدل الكتب المترجمة 1٪ من حجم النشر السنوي، مقارنة بدول مجاورة تمتلك بنى مؤسساتية أكثر استقراراً.
ظلال جاسم.. ابنة جيل الشاشة
بين بغداد والإمارات تشكلت شخصية ظلال جاسم. تقول إنها تعلّمت الإنجليزية وهي تقلّد “هانا مونتانا” على MBC3 قبل أن تفهم القواعد. وعاشت في مجتمع متعدد الجنسيات جعل الإنجليزية لغة يومية لا مادة دراسية.
عادت إلى بغداد لتصبح الأولى على قسمها لأربع سنوات، لكنها وجدت سوقاً ضيقاً يحتكره الكبار. لم تستسلم؛ فتحت حسابات مهنية على منصات التواصل، وقدمت خدمات بحث وترجمة فورية وقانونية ودورات تدريبية، وصنعت مسارها الخاص.

ترى الجاسم أن المترجمة العراقية تحتاج مظلة قانونية، لأن أغلب العمل قائم على العلاقات الفردية. وعن الذكاء الاصطناعي تقول: “يساعد؟ نعم. لكن يستبدل المترجم؟ أبدًا. النص روح”.
تنتقد ظلال اعتماد الطلبة المفرط على الأدوات الآلية، لكنها تلوم ثقافة “اضغط زر وخذ النتيجة”. وفي الترجمة القانونية، تقول بثقة: “العقود لا تُترجم بالذكاء الاصطناعي.. يجب أن تكون دقيقة وقانونية”.
وفي عالم الترجمة الفورية، تقف ظلال داخل الكابينة، حيث لا وقت للتفكير. العمل تحت ضغط اللحظة جعل لغتها أكثر دقة وسرعة. تؤمن بأن البرمجيات “لا تستطيع فهم النبرة والانفعال”، وأن الترجمة الفورية ستبقى بشرية مهما تطورت الخوارزميات.
رغد عجرش.. اللغة على ضوء السينما
وجدت رغد عجرش طريقها بين قاعة سينما مظلمة وصفحة ترجمة مضيئة. تقول: “أحب الترجمة لأنني أعيش النص، لا أنقله”. لكن الطريق لم يكن سهلاً، فالمترجمة في العراق غالباً تعمل كحرة، وتدخل في “ماراثون البحث عن التمويل”، فيما تُبقي دور النشر القرار بيدها.

ترى رغد أن المشكلة ليست قلة الكفاءات بل غياب البنية المؤسسية التي تمنح المترجمات عملاً مستداماً. وهي متيقنة بأن “الترجمة الأدبية ستظل بشرية.. الإيقاع والروح لا تُنقل خوارزميًا”.
تفخر رغد بترجمتها كتاب “الطريق الطويل إلى بغداد”، وتطمح لترجمة كتاب The Paradox of Choice لبارّي شوارتز. وهي تواجه الزبائن الذين يقولون “أترجمها بالكوگل” بالتفسير لا بالتصادم. ترجماتها غالباً سياسية وتاريخية، تبدأ ببحث واسع وتنتهي بتحرير متكرر للنص. تقول: “الترجمة الرديئة = معنى لم يصل”.
مهنة تبحث عن مؤسسات
من أحاديث المترجمات الثلاث تتشكّل صورة واضحة: شغف، مهارة، تعب وتراكم، لكن بلا مظلة تحمي المهنة. فغياب الهيئات وضعف التدريب واحتكار السوق ومحدودية الفرص، كلها تجعل المترجم العراقي يصنع طريقه وحده.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من 70٪ من المترجمات العاملات في العراق يعملن خارج إطار المؤسسات، بصفة مستقلة، بسبب غياب فرص التوظيف وضعف سوق النشر.
وفي قلب هذا الواقع، يدخل الذكاء الاصطناعي كعنصر إضافي، مساعد في بعض الأحيان، ومزاحم في أحيان أخرى، لكن ما تتفق عليه المترجمات الثلاث هو: “لا توجد آلة تستطيع فهم روح النص”.
من كركوك إلى بغداد، ومن الإمارات إلى السينما، ومن صفحات الكتب إلى غرف الترجمة الفورية، يربط نرمين وظلال ورغد خيط واحد: أن الترجمة ليست مهنة مهددة بالانقراض، بل فن يحتاج إلى قلب بشري. وفي زمن تتسابق فيه الآلات لاحتلال كل شيء، تبقى المترجمة العراقية صوتاً يحمي اللغة من البرد المعدني للخوارزميات، فاللغة تُولد من فم إنسان ولا تُترجم إلا بيد إنسان.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).



