شارع الرشيد.. حين ينهض التاريخ ويتعثر عند باب الهلال

مهدي غريب – بغداد

على إيقاع يشبه صدى أغنية قديمة تتردد بين الأزقة، عاد شارع الرشيد ليلبس ثوبه الجديد. لم تكن ورشة الإعمار التي امتدّت من ساحة الميدان إلى ساحة معروف الرصافي مجرد مشروع هندسي، بل محاولة لإعادة نبض مدينة ظلّ تاريخها يتوارى خلف واجهات أنهكها الزمن.

وبينما ينهض الشارع اليوم بمقاطع مرممة تستعيد ألوان مطلع القرن العشرين، تعود الذاكرة تلقائيًا إلى سنة 1916، حين شُيّد هذا الطريق ليكون أول شريان حديث لبغداد العثمانية، فتتداخل الأزمنة وتتعثر الخطى بين حاضر يلمع وماضٍ ما زال يلوّح من بعيد.

بعد أشهر من العمل المتواصل، اكتمل ترميم المقطع الأول من الشارع، فعادت الأرصفة أنيقة، والممرات مضاءة، والواجهات تلمع بلون التراث الذي يستعيد مكانته رويدًا. ومع ذلك، فإن شارع الرشيد، الذي لطالما كان الرئة الثقافية لبغداد، يبدو وكأنه يتنهد بندبة واضحة. ندبة تتجسد في بنايتين أنهكهما الزمن: أوتيل الهلال وخان المدلل، وهما من أوائل الأبنية التي شُيّدت هنا مطلع القرن الماضي. ومن يعرف تاريخهما يدرك أنهما لم يكونا مجرّد مبانٍ، بل علامة على زمن ازدهرت فيه التجارة والفن، يوم كان الخان ملتقى التجار، وكان الفندق يستقبل أشهر الفنانين العرب في الثلاثينيات والأربعينيات.

هنا، عند الزاوية التي وقفت فيها أم كلثوم ذات ليلة تُغني لبغداد، ينقطع إيقاع الشارع الجديد. فبينما تتزين الأبنية الأخرى بواجهات مرممة، تطل البنايتان بوجهٍ منهك يشبه مقطعًا خارج اللحن، “نشازًا” كما يصفه أصحاب المحال. وفي هذا المشهد المتفاوت، تتداخل الحكاية المعمارية مع حقائق أكثر قسوة عاشها الشارع طوال العقود الثلاثة الأخيرة، حين تدهور تدريجيًا بعد تسعينيات القرن الماضي وتحوّل من واجهة للرفاه وتجارة العطور والساعات والأقمشة الراقية، إلى سوق للمواد الإنشائية وطفايات الحريق. تلك التحوّلات لم تكن مجرد تغيّر في البضاعة، بل انحسار في المكانة والضوء والزائرين.

في دكان صغير داخل أوتيل الهلال، يقف محمد الأطرقجي يراقب المارة الذين يندهشون من التفاوت العمراني. يشير إلى الواجهة قائلاً: «مكاننا صار نشاز، كل الأبنية اتعمّرت إلا هذا المكان. أوتيل الهلال مو بناية عادية… هنا غنّت أم كلثوم، وهنا كان الفن ينبض. يفترض أن يُعمر قبل غيره، لأنه تراث ويعني الكثير لبغداد». يقول ذلك وهو يدرك أن المبنى كان جزءًا من ذاكرة فنية عراقية وعربية، وأن ما يراه اليوم لا يشبه صوره القديمة التي كانت تُظهر شبابيك مشرعة على الضوء ودرجًا يعلو كأنه يصعد بفنان نحو حفلة جديدة. أمّا اليوم فالنوافذ مغطاة بخشب مهترئ، والسلالم تكاد تتفكك من تلقاء نفسها، والجدران تتمسك بزخارفها كما لو أنها تتمسك بكرامتها الأخيرة.

وإلى جواره، يقف خان المدلل في المصير ذاته: جدران متصدعة، نوافذ ساكنة، وملامح حياة كانت تعجّ بالمسافرين والتجار حتى ستينيات القرن الماضي، قبل أن يتراجع دوره، وتضعف الحركة التي كانت تمنحه روحًا لا تنام.

ولأن الشوارع التراثية لا تُقرأ بعيون الأهالي وحدهم، كان لا بد من صوت علمي يضع الوجع في سياقه. هنا يتحدث الباحث العراقي صباح السعدي، مؤكّدًا أن خسارة أوتيل الهلال وخان المدلل ستكون ضربة للذاكرة الجمعية: «الأول ارتبط بالفن وبزيارة أم كلثوم، والثاني ارتبط بتاريخ التجارة والحياة الاجتماعية. ترميم الشارع من دون ترميمهما يشبه مشهدًا مبتورًا». كلام السعدي يُذكّر بأن حفظ هذا التراث ليس رفاهًا، بل ضرورة حضارية، خصوصًا أن هذين المبنيين يمثلان طبقة معمارية نادرة من بدايات الحداثة البغدادية.

أما الأهالي، فهم مرآة المكان. أبو كرار، الذي اعتاد المرور عبر الشارع منذ ثلاثة عقود، يتأمل الواجهات الجديدة قائلاً: «الشارع حلو بعد التعمير… بس يبقى ناقص. لازم تكتمل الصورة». وتؤيده أم ريم التي تعمل قرب خان المدلل: «حتى لو الشارع اتطور، هالمكانين يخلّون شكله محزن. نريدهم يرجعوهم مثل قبل، حتى الناس تحس بروح بغداد القديمة». كلماتهم ليست مجرد انطباع، بل صدى لوعيٍ جمعي يشعر بأن أي ترميم ناقص سيترك فجوة في صورة بغداد.

وفي مواجهة هذه الأصوات، تشرح أمانة بغداد على لسان المتحدث عدي الجنديل سبب توقف الإعمار: «عند البدء بمشروع تطوير شارع الرشيد، كانت الخطة تشمل ترميم جميع الأبنية، ومنها أوتيل الهلال وخان المدلل. بالفعل نُصبت السكلات، لكن التقارير الهندسية أكدت أن البنايتين في حالة إنشائية خطرة ولا يمكن ترميمهما. توصية اللجان هي الهدم الكامل وتشييد بنايات تراثية جديدة تحمل الطابع نفسه».

وبين توصية الهدم وصوت التاريخ المحتج، تقف الأسئلة معلّقة: هل يمكن إعادة بناء ذاكرة؟ وهل يستطيع تصميمٌ جديد، مهما كان دقيقًا، أن يستعيد نبض المكان نفسه؟ تلك الأسئلة تبدو أكثر إلحاحًا إذا ما استُحضرت حقيقة أن شارع الرشيد ذاته فقد الكثير من وهجه بعد الثمانينيات، حين بدأ رواده يقلّون وأضواؤه تخفت، ما جعل إنعاشه اليوم ضرورة لا ترفًا.

وهكذا يمضي الشارع في رحلته بين ماضٍ متألق وحاضر يحاول استعادة خطواته بثبات. تتجاور الأبنية المرممة مع تلك التي أثقلها الزمن، في مشهد يشبه مزيجًا من الذاكرة والرجاء. وعلى الرغم من تعب الحجارة، يبقى الشارع محتفظًا بنبرته الأولى، نبرة مدينة تعرف كيف تنهض مهما طال غياب الضوء. وفي زواياه التي تطل على التاريخ، تخفق روح بغداد كما لو أن أغنية قديمة ما تزال تردّد صداها، لتذكّر العابرين بأن الجمال لا يغادر مكانًا أحبّه يومًا.

ربما. وربما لا. لكن المؤكد أن شارع الرشيد، بهذا المزيج من الجديد والقديم، المرمّم والمتهالك، الأمل والحنين، يعيش اليوم لحظة فارقة، لحظة تشبه وقفة مطربة عظيمة على مسرح عريق، تتردد فيها نبرة من الماضي بينما تنتظر المدينة أن يكتمل اللحن.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى