في ذي قار.. أكثر من 150 مشروعاً تقوده النساء يعيد رسم خارطة سوق العمل

الناصرية- مرتضى الحدود

في شوارع الناصرية وأزقتها، باتت ماكينات الخياطة وافتتاح المحال الصغيرة إشارات ملموسة على تغيّرٍ يطرأ على سوق العمل المحلي. نساء بدأن تشغيل مشاريع صغيرة في مجالات ظلّت لسنوات طويلة محصورة بالرجال، في خطوة تعكس تحوّلاً تدريجياً في أنماط العمل داخل المحافظة. هذه المشاريع، المنتشرة خلف أبواب نصف مفتوحة وفي دكاكين محدودة المساحة، لم تعد استثناءً فردياً، بل جزءاً من مشهد اقتصادي آخذ بالتشكّل.

مع ساعات الصباح الأولى، تبدأ هذه المشروعات نشاطها بإمكانات بسيطة: ماكينة خياطة ممولة بقرضٍ صغير، رفوف لبيع الورود والهدايا، أو مكوى للملابس الرجالية والنسائية. ورغم الشكوك التي رافقت انطلاقتها، تمكّنت العديد من هذه المشروعات من الاستمرار والتوسّع داخل سوق يشهد نمواً هادئاً لكنه مستقر، وأسهم في إعادة رسم ملامح بعض الأحياء، وفي توسيع حضور النساء كفاعلات اقتصاديات في المدينة.

هذا التحوّل لا يأتي من فراغ. فبحسب بيانات غرفة صناعة ذي قار،           تجاوز عدد المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تديرها نساء في المحافظة 150 مشروعاً، في مؤشر غير مسبوق على تغيّر بنية النشاط الاقتصادي المحلي، ولا سيّما في القطاعات الخدمية والحرفية التي باتت تشكّل مدخلاً أساسياً لعمل النساء في بيئات محافظة.

لم تكن أمّ منتظر، البالغة من العمر 41 عاماً، تتوقّع أن تتحوّل محطة عابرة في حياتها إلى بوابة تكسر بها قاعدة استمرّت عقوداً. ففي ذي قار، حيث ظلّت مهنة “مكوى الملابس” حكراً على الرجال، قرّرت أن تفتتح مشروعها الصغير “مكوى روز”، واضعةً نفسها في مواجهة مباشرة مع صورة نمطية راسخة.

تقف أمّ منتظر خلف منضدة خشبية، تمسك بمقبض المكوى بثبات، وتعبر بثقلها فوق أطراف سترات داكنة اللون. تقول للمنصة إن سنوات طويلة قضتها تعمل بأجورٍ يومية في محال بيع مواد التجميل وغيرها، لكن تقدّم العمر وعبء إعالة أربعة أبناء بعد وفاة زوجها جعلا البحث عن عمل مستقر ضرورة لا خياراً. “كنت أحتاج إلى مشروع يخصّني وحدي، يمنحني الاستقرار لا الانتظار”، تقول.

بحثت طويلاً عن مكان يناسب فكرتها، إلى أن وجدت محلاً صغيراً في حيّ تسكنه عائلات من الطبقة المتوسطة. هناك شعرت بأن المشروع يمكن أن يجد زبائنه. لم تكن الصعوبة في العمل نفسه بقدر ما كانت في نظرة المجتمع. الاستغراب كان أوّل من دخل محلّها، مع تساؤلات وابتسامات مترددة ونظرات تفاجؤ، لكنها لم تتراجع.

تقول إن المشهد “أصبح، إلى حدٍّ ما، مألوفاً”، وإن الزبائن باتوا يأتون من مناطق أبعد، لا فقط لكيّ الملابس، بل لمساندة تجربة وجدوا فيها جرأة. أبناؤها الأربعة، وهم طلاب جامعات، كانوا سندها الأوّل. “هذا المشروع ليس مكوى فقط، بل مصدر رزق وكرامة”، تضيف، قبل أن تختم: “البداية جيدة… ومفرحة. أشعر أن لي مشروعاً يشبهني”.

رئيس غرفة صناعة ذي قار، عبد الوهاب الطرشة، يؤكّد للمنصة وجود تنامٍ لافت في عدد المشاريع النسوية داخل المحافظة، موضحاً أن هذه المشاريع تتوزّع بين مشاغل الخياطة، والحرف اليدوية، ومنتجات العناية بالبشرة، والأعمال المنزلية، إلى جانب مبادرات ريادية حديثة.

ويشير الطرشة إلى أن الدعم المقدم لم يعد يقتصر على الدورات التدريبية أو الإرشاد النظري، بل يشمل تسجيل أسماء المشاريع رسمياً لحمايتها قانونياً، ومنح إجازات عمل تتيح لصاحباتها مزاولة نشاطهن دون معوقات إدارية. كما تعمل الغرفة على تسهيل حصول النساء على القروض الصغيرة والمتوسطة، بما يساعد على توسيع أعمالهن ورفع جودة منتجاتهن.

في قضاء الشطرة شمال ذي قار، اختارت فاطمة محمد، وهي في عقدها العشريني، أن تحوّل موهبتها إلى مشروع يحمل بصمتها الخاصة. بعد سنوات من العمل في مجمّعات تجارية، قرّرت افتتاح محلّ للزهور والهدايا، يبدأ من مدينة صغيرة لكنه يحلم بالوصول أبعد.

محلّها الصغير، الذي تتلألأ جدرانه بألوان الزهور وتزدحم رفوفه بقطع الهدايا، بات عنواناً للجمال في المنطقة، تحت اسم “أفاطم للزهور والهدايا”. تقول فاطمة إن المشروع كان محلّ نقاش طويل داخل العائلة، بسبب نظرة المجتمع لعمل الفتيات، لكنها كانت مقتنعة بأن امتلاك مشروع خاص أكثر استقراراً من البقاء موظفة.

وتصف محلّها بأنه “مرآتها الحقيقية”، مضيفةً أن الاسم اشتقّته من اسمها ليصبح علامة تعبّر عنها. وتعزو جزءاً من نجاحها إلى قدرتها على مساعدة الزبائن، خصوصاً الرجال، في اختيار باقات تناسب مناسباتهم. “المرأة تعرف ذوق المرأة”، تقول، “ولهذا أحرص على أن تكون الهدية رسالة اهتمام، لا مجرّد ورد”.

ويأتي هذا الحراك النسوي في سياق وطني معقّد. فبحسب تقرير حديث للبنك الدولي، لم تتجاوز نسبة مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل 11% خلال العام الماضي، وهي من أدنى النسب في المنطقة. ويرجّح التقرير أن رفع هذه النسبة بمقدار 5% فقط خلال عام 2025 قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1.6%، ما يعكس أثراً اقتصادياً مباشراً لمشاركة النساء.

ويشير التقرير إلى أن 52% من النساء غير العاملات يرغبن في دخول سوق العمل إذا توفّر دعم أسري، لكن 10% فقط اتخذن خطوات فعلية، في ظل تحدّيات أبرزها مسؤوليات رعاية الأطفال بنسبة 32%، وقلة فرص العمل المناسبة بنسبة 15%، إضافةً إلى ضعف الدعم الاجتماعي واعتراض الأزواج في بعض الحالات.

في هذا السياق، تقول آمال غالب فرج، مدرّبة المشاريع الصغيرة، إن مراكز التدريب المهني باتت مساحة حقيقية لتمكين النساء، من خلال ورش تشمل الخياطة، والحلاقة، والحاسبات، واللغة الإنكليزية. وتوضح أن بعض المتدرّبات يحصلن على قروض لبدء مشاريع صغيرة، فيما تمتلك أخريات الجرأة لافتتاح أعمالهن بعد انتهاء التدريب.

وتضيف أن أثر هذه البرامج لا يقتصر على اكتساب المهارة، بل يتجاوزها إلى بناء الثقة وفتح آفاق جديدة للعمل. “التدريب لا يمنح مهنة فقط، بل يفتح طريقاً نحو الاستقلال الاقتصادي”، تقول.

وكانت وزارة التخطيط قد أعلنت، في تصريح سابق، أن نسبة البطالة بين النساء في العراق بلغت نحو 18%، مقابل 9 إلى 10% بين الرجال، وهو تفاوت يُعزى، بحسب مختصين، إلى القيود الاجتماعية ومحدودية الفرص الملائمة لطبيعة عمل المرأة.

ويخلص مختصون إلى أن تعزيز مشاركة النساء في سوق العمل لا يتوقّف على السياسات الحكومية وحدها، بل يتطلّب تغييراً في البيئة الاجتماعية وتوسيع فرص العمل، بوصف تمكين المرأة الاقتصادي رافعة تنموية أساسية لبناء مجتمع أكثر استقراراً ونمواً.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى