خلف المقود.. كيف تعيد النساء في العراق تنظيم حياتهن اليومية

فاطمة كريم – بغداد

تخرج حواري العلي من منزلها مع ساعات الصباح الأولى، تمسك بيد ابنتها وتتجه نحو السيارة قبل أن يزدحم الشارع. توصلها إلى المدرسة فتطمئن عليها، ثم تكمل طريقها إلى عملها الحكومي حيث يب  دأ يوم طويل من الالتزامات والدوام الرسمي.

حواري العلي شابة تبلغ من العمر 28 سنة، متزوجة وأم لطفلة وموظفة في إحدى الدوائر الحكومية، تحاول يومياًَ الموازنة بين العمل والأسرة والطموح الشخصي. تقول حواري: “دائماًَ كنت أطمح أن أمتلك سيارة من باب الرفاهية، لكني لم أشعر بضرورتها إلا بعد أن تراكمت المسؤوليات على عاتقي، فأصبحت حاجةً واجبة، واضطررت أن أعمل أكثر من عملي حتى أستطيع شراءها”.

لم تكتفِ حواري بوظيفتها الحكومية، بل سعت إلى خلق مساحة خاصة بها، فأسست مشروعاًَ صغيراًَ عبر مواقع التواصل الاجتماعي لبيع الحجابات. وفّر لها المشروع دخلاًَ إضافياًَ، لكنه في الوقت ذاته ضاعف من أعبائها اليومية، خصوصاًَ مع الاعتماد على المواصلات العامة وشركات التوصيل. تتحدث حواري عن معاناتها مع شركات التوصيل قائلة: “في بداية الأمر رفضوا إيصال طلباتي لأنها كانت محدودة، فاضطررت إلى إيصالها من خلال عائلتي أو توصيلها بنفسي خلال أيام الإجازة، وكان ذلك عبئاًَ كبيراًَ”.

في تلك المرحلة، لم تعد السيارة حلماًَ مؤجلاًَ، بل ضرورة فرضتها تفاصيل الحياة، لتكون الخطوة الأولى في مسار جديد من الاستقلال والتنظيم ومسؤولية أكبر في حياة أم شابة تحاول الإمساك بكل الخيوط في وقت واحد.

قيادة المرأة للسيارة ليست جديدة في العراق مقارنةً بدول أخرى في المنطقة، إذ بدأ العراق منح رخص القيادة للنساء منذ عام 1936، أي قبل أكثر من ثمانين سنة، وهو تاريخ يضع قيادة النساء ضمن إرث اجتماعي طويل، رغم أن ارتفاع أعداد السائقات في الوقت الحالي يعكس تغيراًَ في نمط الحياة ومستوى الاعتماد على الذات. وتشير تقديرات مديرية المرور العامة في العراق إلى أن ما بين 30% و35% من النساء في العراق يقدن مركبات، وهو رقم يوضح أن مشاركة المرأة في قيادة السيارات ليست ضئيلة كما يُظن، بل تمثل ما يقرب من ثلث السائقات ضمن المجتمع العراقي.

في عام 2023، اتخذت حواري العلي قرارها الحاسم واقتنت سيارتها. تتحدث بسعادة قائلة: “لم تكن البداية سهلة، فتعلم السياقة كان مصحوباًَ بصعوبات وخوف طبيعي من الشارع، لكن الفائدة كانت أكبر مما توقعت، سواء على مستوى حياتي الشخصية أو العائلية”. بعد امتلاك السيارة، أصبحت حواري تصطحب ابنتها يومياًَ إلى المدرسة من دون القلق من المواصلات أو الالتزام بمواعيد الآخرين، كما تمكنت من إيصال طلبات مشروعها بنفسها، ما انعكس تحسناًَ مادياًَ واضحاًَ وقلل اعتمادها على شركات التوصيل. تقول حواري: “السيارة مفيدة جداًَ وتجعل المرأة تشعر بالاستقلال والريحية”، عبارة تختصر تجربة أم عاملة استطاعت إعادة تنظيم وقتها ومسؤولياتها، ومنح نفسها وعائلتها قدراًَ أكبر من الاستقرار.

نساء كثيرات قدنَ السيارات اليوم ليس من باب الترف، بل لتلبية حاجات حياتية يومية، من الذهاب إلى العمل إلى توصيل الأولاد إلى المدارس، ولم يعد الشارع حكراًَ على الرجال كما كان في الماضي.

عُلا قيس، شابة تبلغ 23 سنة وتسكن في بغداد، لم تبدأ علاقتها مع السيارة من الوظيفة أو الأسرة، بل من مشروعها الخاص. قادها العمل إلى الشارع وفرض عليها أن تمسك المقود بيدها لتكمل طريقاًَ اختارته بنفسها. تقول عُلا: “افتتحت مشروعاًَ خاصاًَ لصناعة قوالب الكيك من المنزل، ويتطلب هذا المشروع جهداًَ متواصلاًَ من شراء المواد إلى توصيل الطلبات، والأهم أن تصل الطلبات بأمان وعناية، فبخطأ واحد من شركة التوصيل قد يسقط القالب وأخسر الزبون”.

بعد أن اقتنت عُلا سيارتها، التحقت بدورة تعليم السياقة، وهي خطوة تصفها بأنها كانت الأصعب في رحلتها. تقول: “المقود بدا ثقيلاًَ، والشارع مزدحماًَ، والسيارات من حولي بدت وكأنها تراقب ارتباكي الأول”. وتشهد مدارس تعليم السياقة في بغداد إقبالاًَ نسائياًَ متزايداًَ، إذ تشير مديرية المرور إلى زيادة ملحوظة في عدد النساء اللواتي يتقدمن لتعلم قيادة السيارات، حتى إن بعض مكاتب تعليم القيادة تسجل نحو 50 متدربة شهرياًَ يتعلمنَ السياقة والصيانة بهدف الاعتماد على النفس في الحياة اليومية.

في تلك المرحلة لم تكن عُلا وحدها، فوالدها كان الحاضر الدائم في كل محاولة وتجربة. لم يتركها، ورافقها خطوة بخطوة حتى تحول الخوف إلى طمأنينة، والارتباك إلى سيطرة. حضور الأب لم يكن دعماًَ عاطفياًَ فقط، بل جزءاًَ من بناء ثقتها بنفسها كامرأة تخوض تجربة جديدة في فضاء عام اعتادت فيه النظرات المترقبة. تقول عُلا: “أصبحت أعتمد على نفسي في كل شيء، من تجهيز الطلبات وتوصيلها إلى الذهاب للسوق وإنجاز أمور يومي”. قبل امتلاك السيارة، كانت تعاني كثيراًَ من المواصلات، وتواجه أحياناًَ رفض أهلها لخروجها بمفردها إلى أماكن بعيدة.

كما قاد المشروع الخاص عُلا قيس إلى امتلاك السيارة كوسيلة للعمل والاستقلال، قاد الطريق ذاته شابةً أخرى إلى المقود، لكن من زاوية مختلفة. فبين الحاجة التي فرضها العمل الحر والحلم الذي رافق الطفولة، تتعدد الأسباب وتتشابه النتيجة. في هذه المساحة تبرز قصة سماح مجيد، شابة في عمر 25 سنة من بغداد، حاصلة على بكالوريوس في كلية الإعلام. دخلت عالم السيارات بدافع الشغف أولاًَ، قبل أن تحولها الوظيفة والمسافة الطويلة بين البيت والعمل إلى حاجة يومية لا يمكن تجاوزها.

تضحك سماح وهي تقول: “كنت أعشق سيارة من نوع G Class، وكان أصدقائي كلما رأوها في أي مكان يتذكرونني وكأنها مسجلة باسمي”. ورغم وضوح الحلم في ذهنها، بقي المال العائق الأكبر أمام امتلاك السيارة، فظل الشغف معلقاًَ عند حدود التمني. بعد تخرجها من الكلية وحصولها على وظيفة، تغيرت علاقتها بالسيارة بالكامل. تقول: “شعرت بضرورة السيارة بعد أن توظفت، فمكان عملي يبعد عن منزلي قرابة 35 كيلومتراًَ، والمواصلات كانت عبئاًَ كبيراًَ يستهلك من طاقتي”.

بين الالتزام بالعمل والرغبة في الاستقلال، عملت سماح بجد وادخرت من راتبها خطوة بعد أخرى، حتى تمكنت من تحقيق حلمها واقتناء السيارة. تجربة تختصر انتقال كثير من الشابات من حب الفكرة إلى عيشها، حين تفرض الحياة إيقاعها ويصبح المقود أداة لتنظيم الوقت لا مجرد رمز للرفاه.

تؤكد مديريات المرور أن حوادث السيارات لدى النساء أقل نسبياًَ من الرجال، ويُعزى ذلك إلى التزام النساء بالقوانين المرورية وقيادتهن بسرعات أكثر ميلاًَ للسلامة. أما أعداد رخص القيادة الممنوحة للنساء فلا تزال غير مفصلة في بعض الإحصاءات الرسمية، لعدم التمييز بين الجنسين في سجلات المرور عند الإصدار.

تقول سماح إن ردود فعل الشارع تجاه سياقة النساء ما تزال متباينة، لكنها تؤكد أن الصورة ليست سلبية كما يُعتقد. فإلى جانب محاولات استهزاء محدودة من بعض الشباب، هناك دعم واضح من الغالبية. تضيف: “كثيراًَ ما بادر سائقون لمساعدتي عند تعطل سيارتي، ويبقون معي حتى أتأكد من أنني أستطيع المتابعة بأمان”. وبرأيها، فإن الخوف الأكثر شيوعاًَ لا يرتبط برفض قيادة النساء، بل بالقلق من السائقات المبتدئات واحتمال وقوع حوادث، وهو ما يعكس تقبلاًَ أكبر للفكرة مع بقاء بعض التحفظات المرتبطة بقلة الخبرة.

تتقاطع قصص حواري العلي وعُلا قيس وسماح مجيد عند نقطة واحدة، رغم اختلاف المسارات. ثلاث نساء دخلنَ عالم السياقة بدوافع متعددة بين مسؤوليات الأسرة ومتطلبات العمل وشغف مؤجل، لكن النتيجة كانت واحدة: توسيع مساحة الاعتماد على الذات. في هذه القصص، لا تظهر السيارة كرمز ترف أو كسر نمط فقط، بل كحاجة يومية فرضتها الحياة الحديثة، ومساحة جديدة تثبت فيها النساء حضورهن بهدوء.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى