من الأزقة إلى القرى النائية في ذي قار.. رحلة نساء لحماية الطفولة

الناصرية- مرتضى الحدود

مع الساعات الأولى من صباح كل يوم، وقبل أن تكتمل حركة الشوارع، تخرج نساء يحملن حقائب طبية صغيرة، يتحركن ضمن فرق صحية منظمة، يجُبن الأحياء وفق خطط مرسومة، ويطرقن الأبواب واحداً تلو الآخر، مدركات أن بعض تلك الأبواب قد لا يُفتح.

هدفهن واحد: إيصال اللقاح إلى الأطفال خلال حملات التلقيح، وحمايتهم من أمراض معدية لا تُرى بالعين المجردة، لكنها قادرة على خطف الطفولة في لحظة. لا توقفهن برودة الشتاء القارسة ولا حرارة الصيف الملتهبة. هكذا تمضي أيام نساء حملات التلقيح، في مواجهة يومية مع المرض والخوف والتردد.

عند الساعة الثامنة صباحاً تماماً، تكون زهراء قد أنجزت استعداداتها اليومية، مرتدية صدرية بيضاء يتوسطها باج تعريفي يحمل اسمها واسم المركز الصحي الذي تنتمي إليه. تحمل علبة صغيرة تحفظ بداخلها قطرات لقاح، علبة تبدو بسيطة في شكلها، لكنها تحمل مسؤولية تفوق حجمها بكثير.

تتحدث زهراء للمنصة بابتسامة هادئة، موضحة طبيعة الحملات التي تنفذها مع زميلاتها وزملائها، حيث ينطلقون على شكل فرقة أو فرقتين لتغطية مناطق محددة، ضمن حملات شهرية أو موسمية، بحسب نوع اللقاح وخطة التحصين المعتمدة. تقول: “ننطلق عند الساعة الثامنة أو الثامنة والنصف صباحاًَ، ومعنا اللقاحات محفوظة داخل علب خاصة للحفاظ عليها. تكون على شكل قطرات شاملة، ونبدأ بطرق الأبواب، على أمل أن يستجيب الآباء أو الأمهات ويمنحوا أطفالهم اللقاح الذي يحميهم من أمراض قد تؤثر على حياتهم بشكل كبير”.

لكن المهمة، كما توضح، لا تخلو من التحديات. فالصعوبة الأكبر لا تكمن في المشي لساعات طويلة أو الوصول إلى مناطق بعيدة، بل في الجدل مع بعض الأهالي، لا سيما في مراكز المدن. تقول: “أحياناً نواجه رفضاًَ بسبب الخوف من اللقاح، نتيجة معلومات مغلوطة منتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو بسبب القلق من ارتفاع حرارة الطفل بعد التلقيح، رغم أن ذلك أمر طبيعي”.

المفارقة التي تلفت انتباهها دائماًَ أن الاستجابة الأسرع والأوسع تأتي من المناطق الريفية والنائية. “بمجرد وصولنا، نجد الأمهات بانتظارنا وقد هيأن أطفالهن للتلقيح دون تردد”، تقول زهراء، كاشفة جانباً مضيئاً من هذه الرحلة الشاقة.

وتؤكد أن عملها لا يقتصر على إعطاء اللقاح، بل يشمل توعية الأهالي بأهمية التلقيح، خصوصاً في المراحل العمرية المبكرة التي يكون فيها الطفل بأمسّ الحاجة إلى هذه الحماية. ورغم التعب والضغط اليومي، ترى في عملها مسؤولية إنسانية تجاه المجتمع والأطفال، وهو ما يمنحها الدافع للاستمرار.

تأتي هذه الجهود في سياق صحي واجتماعي معقد، إذ تُظهر بيانات رسمية أن العراق ما يزال يواجه فجوات واسعة في مشاركة النساء في سوق العمل. ووفق تقرير صادر عام 2024، فإن البلاد تحتل مراتب متأخرة عالمياًَ في هذا المجال، حيث لا تتجاوز نسبة النساء العاملات 7% من أصل نحو 13 مليون امرأة قادرة على العمل، ما يجعل عمل النساء في القطاعات الصحية الميدانية استثناءًَ لافتاًَ في مشهد عام محدود الفرص.

ولا تتوقف الحكاية عند زهراء وحدها. فزميلتها في مركز صحي آخر، رواء شاكر، تحمل الهمّ نفسه وتسير في الطريق ذاته. تكشف رواء عن جانب آخر من معاناة فرق التلقيح الميدانية، حيث لا تزال مشكلة ضعف الوعي الصحي لدى بعض الأهالي تشكل عائقاًَ حقيقياًَ أمام وصول اللقاحات إلى الأطفال، رغم توفرها بشكل مجاني وسهل.

تقول رواء: “أكثر ما يثقل كاهلنا ليس الجهد البدني فقط، بل غياب الإحساس بالمسؤولية لدى بعض العائلات تجاه صحة أطفالهم. نقطع مسافات طويلة من أجل أطفالهم، في وقت يفترض أن يكونوا هم المبادرين إلى تلقيحهم، لا أن يمتنعوا بحجة ارتفاع درجات الحرارة أو بسبب معلومة خاطئة لم تُؤخذ من مصدرها الصحيح”.

وتوضح أن الفرق الصحية غالباًَ ما تتجه نحو المناطق النائية والبعيدة، حيث تقل الخدمات وتزداد الحاجة. ورغم المسافات التي يقطعونها سيراًَ على الأقدام، ترى في هذا الجهد واجباًَ إنسانياًَ قبل أن يكون عملاًَ وظيفياًَ. “نحن أمام جيل كامل، وأعداد كبيرة من الأطفال، بعضهم متسربون من برامج التلقيح ولم يحصلوا على حقهم في الحماية الصحية”.

وتشير بيانات وزارة الصحة العراقية إلى أن البلاد تشهد حملات تلقيح واسعة بشكل دوري. ففي العام الماضي، نشرت الوزارة أكثر من 9 آلاف فرقة صحية في عموم العراق، بعد تسجيل حالات إصابة جديدة بالحصبة، واستهدفت الحملة أكثر من 23 ألف مدرسة، وشملت نحو 7 ملايين طفل، واستمرت لمدة 10 أيام متواصلة.

ويشرح مسؤول قسم التحصين في دائرة صحة ذي قار، الدكتور حازم تركي، حجم الجهد الذي تبذله الكوادر الصحية العاملة ضمن برنامج التحصين. ويشير إلى أن عدد المنتسبين العاملين في هذا البرنامج يبلغ 849 منتسباًَ، بينهم 418 من الذكور و431 من النساء، ما يعني أن النساء يشكلن النسبة الأكبر بفارق يقارب 3%.

ويؤكد تركي أن هذه الكوادر، وخصوصاًَ الفرق النسوية، أدت دوراًَ محورياًَ في الوصول إلى الأطفال خارج أسوار المراكز الصحية، حيث تمكنت فرق التحصين من تلقيح أكثر من 158 ألف طفل ميدانياًَ ضمن الحملات الصحية التي استهدفت المتسربين وغير المشمولين بالبرامج الروتينية.

ويضيف أن النساء العاملات في مجال التلقيح يتحملن جهداًَ استثنائياًَ، يواجهن خلاله عناء المسافات الطويلة وظروف العمل الصعبة، لكن ذلك لم يكن عائقاًَ أمام استمرارهن. “المسؤولية الإنسانية تأتي أولاًَ، وهي الدافع الحقيقي الذي يبقيهن في الميدان يوماًَ بعد آخر”، يقول تركي.

وبين الأزقة الضيقة وطرق القرى النائية في ذي قار، تكتب زهراء ورواء ومعهن عشرات غيرهن فصلاً صامتاًَ من العمل الإنساني، لا تصنعه الأضواء، ولا تحصي تفاصيله الأرقام وحدها، لكنه يحمي الطفولة خطوةًَ بعد أخرى.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى