الطب بلغة الناس: نساء عراقيات يصنعن وعياً صحياً

فاطمة كريم _بغداد

بين رفوف الزجاج وأصوات الأجهزة التي تعمل بلا انقطاع، تتحرك كنار داخل المختبر بخطوات محسوبة. تمسك أنابيب التحاليل بعناية، تراجع الأرقام على الشاشات، وتتنقل بين الأجهزة بثبات يوحي بالخبرة. لا تفارق الابتسامة وجهها، خصوصاً عندما تتعامل مع كبار السن من المراجعين. في هذا المكان، لا تؤدي كنار وظيفة تقنية فحسب، بل تؤدي دوراً إنسانياً يجعل المختبر أقل قسوة، وأكثر قرباً من الناس.

كنار تحسين العزاوي، شابة في السابعة والعشرين من عمرها، تعمل محللة مرضية، وتدير في الوقت نفسه حساباً على مواقع التواصل الاجتماعي تقدّم من خلاله محتوى طبياً توعوياً، يهدف إلى تبسيط المعلومة وتصحيح مفاهيم شائعة. تقول: “منذ صغري حلمت أن أدخل المجال الطبي وأساعد الناس. هذا الحلم ظلّ معي، وحين كبرت حاولت أن أحققه بطريقتي”.

لم تنتظر كنار التخرج لتبدأ علاقتها العملية بالمهنة. منذ سنوات الدراسة الأولى، سعت إلى العمل داخل مختبرات أهلية، مدفوعة برغبة في التعلم تتجاوز حدود القاعة الدراسية. تقول: “الدراسة وحدها لا تكفي. المختبر هو المكان الذي تُبنى فيه الثقة الحقيقية بالمهنة”. هناك، راكمت خبرتها اليومية، وتعلمت من الممارسة المباشرة، الأمر الذي انعكس على مستواها الأكاديمي وفهمها العملي لطبيعة العمل.

لكن الانتقال بين أكثر من مختبر فتح عينيها على واقع لم تكن تتوقعه. فالصورة المثالية التي حملتها عن المهنة بدأت تتصدع تدريجياً. ما واجهته، كما تقول، لم يكن مجرد أخطاء فردية، بل نمط عمل يغلّب الاعتبارات التجارية على الدقة العلمية. “تجرى بعض التحاليل دون اعتماد حقيقي على الأجهزة، وتُعطى نتائج تقديرية لا تعكس الوضع الصحي الفعلي للمريض”، تقول بنبرة لا تخفي خيبتها.

شكّلت هذه التجربة نقطة تحوّل في مسارها. وأمام عجزها عن مواجهة منظومة كاملة من المختبرات وحدها، اختارت مساراً موازياً: الاقتراب من الناس مباشرة، وكسر فجوة الجهل بالمعلومة الطبية عبر التوعية. هكذا، تحوّل حسابها على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مساحة تشرح فيها التحاليل، وتفكك المفاهيم الخاطئة، وتعيد ربط العلم بالناس، بعيداً عن لغة الخوف أو التجارة.

في السنوات الأخيرة، بدأ المحتوى الطبي الهادف يأخذ مساحة أكبر على وسائل التواصل الاجتماعي في العراق، لكنه ما يزال في طور التطور أكثر من كونه ظاهرة واسعة الانتشار. يظهر هذا المحتوى في شكل فيديوهات تعليمية ومنشورات توعوية تشرح الأمراض والتحاليل والأدوية بلغة مبسّطة تخاطب الجمهور العام.

لا يأتي محتوى كنار من فراغ. تقول: “غالباً تنطلق أفكاري من مواقف يومية أعيشها داخل المختبر، ومن أسئلة يطرحها المرضى تكشف حجم الالتباس في فهم الأمراض والتحاليل والأدوية”. بعدها تبدأ مرحلة البحث والتدقيق، مستعينةً بمصادر علمية موثوقة، وأدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب استشارة أطباء مختصين، حرصاً على دقة المعلومة ووضوحها.

تحرص كنار على أن يكون محتواها قائماً على المعلومة الموثقة لا الاجتهاد الشخصي. ترافق منشوراتها دائماً بإحالة إلى مصادر علمية، ولا تكتفي بعرض المعلومة، بل تفتح باب النقاش وترد على الأسئلة والاعتراضات، ما حوّل صفحتها من مساحة عرض إلى مساحة حوار علمي.

لم تمر تجربتها من دون اعتراض. واجهت هجمة من بعض أصحاب المختبرات الذين اتهموها بالسعي لكسب الزبائن عبر محتواها، لكنها ترد بوضوح: “لم أطلب في أي فيديو من الجمهور إجراء التحاليل لديّ، ولم أعلن يوماً عن مكان عملي. غايتي فقط تقديم النصيحة والمساعدة بالمجان”.

وإذا كانت كنار قد اختارت المختبر مساحةً لتصحيح المفاهيم الطبية، فإن المشهد الصحي لا يتوقف عند باب المختبر، فخلف كثير من الأمراض التي تُشخّص يومياً تقف عادات غذائية خاطئة وأسواق طعام تفتقر إلى الرقابة.

من هنا تبدأ حكاية أخرى بطلتها منار رحيم، صيدلانية قرأت المرض من زاوية مختلفة، وقررت ملاحقة أسبابه، قبل أن تعثر على وصفة علاج.

 منار، في الثلاثينات من عمرها، صيدلانية حاصلة على دبلوم في التغذية. تشكّلت تجربتها التوعوية تدريجياً داخل الصيدلية، حيث لاحظت نمطاً متكرراً في شكاوى المراجعين. تقول: “كنت أرى الحالات نفسها تتكرر: ضغط، سكري، سمنة، تعب عام… وكلها تعود إلى نمط أكل خاطئ”.

مع تعمّقها في العمل، اصطدمت منار بواقع آخر لا يقل خطورة، يتمثل في الانتشار الواسع لمحال الطعام غير الخاضعة للرقابة، “محلات الأكل انتشرت بشكل مخيف، أغلبه غير معروف المصدر أو طريقة التخزين، خصوصاً اللحوم”. عندها قررت دراسة التغذية بشكل أكاديمي لتبني عليها مشروعها التوعوي.

العديد من المطاعم الشعبية في العراق يفتقد إلى الرقابة الصحية، حيث تُسجَّل حالات تسمم غذائي متكررة. ففي محافظة ديالى مثلاًَ، سجّلت الجهات الصحية في مناسبات عدة  عشرات حالات التسمم المرتبطة بتناول وجبات من مطاعم غير مطابقة لمعايير السلامة، ما دفعها إلى إغلاق عدد من تلك المحال وفرض غرامات. وفي بغداد، أعلنت الجهات الرقابية خلال حملات تفتيش متكررة عن ضبط كميات كبيرة من المواد الغذائية المنتهية الصلاحية أو غير الصالحة للاستهلاك، قُدّرت بمئات الأطنان، جرى مصادرة وإتلاف جزء منها لخطورتها الصحية، ما يعكس حجم التحديات في سوق الغذاء المحلي.

أمام هذا الواقع، أنشأت منار صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأت بنشر محتوى يركّز على التغذية الصحية، وتحديد الحميات الغذائية، وتصحيح مفاهيم شائعة. تقول: “الناس تريد تنزل وزنها بسرعة، وتتوقع الشفاء بالدواء فقط من دون تغيير الأكل. هذا عكس الصح. كل ما يظهر على جسدنا هو نتيجة ما نتناوله”.

تُعد السمنة من أبرز التحديات الصحية في العراق، إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من 30% من السكان يعانون منها، وقد احتل العراق المرتبة التاسعة عربياًَ في معدلات البدانة، وفق تحليلات صحفية استندت إلى بيانات صحية عالمية.

ولا يقتصر دور منار على الشرح النظري، بل تحرص على تقديم نموذج عملي. تنشر فيديوهات تطبخ فيها أمام متابعيها، وتشرح خطوات إعداد وجبات صحية بطريقة بسيطة. تقول: “أحب الناس تشوف إن الأكل الصحي مو معقّد ولا ممل، بل ممكن يكون لذيذ إذا انطبخ بالطريقة الصح”.

في مشهد صحي تتفاوت فيه جودة المعلومة وتغيب فيه الرقابة أحياناً، تظهر مبادرات فردية مثل تجربة كنار ومنار، تحاول سدّ فجوات يومية يواجهها المرضى. من المختبر إلى المطبخ، ومن الخبرة المباشرة إلى المحتوى الرقمي، تقدّم هذه التجارب معرفة مبسّطة وقابلة للاستخدام، وتعيد طرح أسئلة أساسية حول الثقة، والمسؤولية، ودور التوعية في حماية الصحة العامة.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى