سامي حسن وحلم إنقاذ الأرشيف الوطني العراقي

رجل ستيني بسيط تحول شغفه بالأفلام والصور والشرائط القديمة إلى مشروع شخصي لحماية ذاكرة العراق السينمائية والرياضية والفنية، في وقت تعرض فيه أرشيف البلاد بعد عام 2003 إلى السرقة والحرق والإهمال.

مهدي غريب – بغداد

في إحدى أبنية شارع المتنبي وسط بغداد، حيث تختلط رائحة الكتب القديمة بأصوات الباعة والقراء، يجلس سامي حسن، رجل في الستينيات من عمره، أمام شاشة عرض صغيرة (داتا شو) وسينما متنقلة بدائية، يعرض من خلالها لقطات نادرة من تاريخ العراق السينمائي والرياضي والفني.

من النظرة الأولى، يبدو سامي رجلاً عادياً، لكن ما إن تبدأ الصور بالظهور على الشاشة حتى يتحول المكان إلى نافذة مفتوحة على زمن آخر: مباريات قديمة، أفلام عراقية نادرة، مسلسلات منسية، ونشرات أخبار تعود لعقود مضت.

يقول سامي بهدوء وهو يضبط جهاز العرض: “هذا مو مجرد فيلم.. هذا عمر بلد”.

يروي سامي أن علاقته بالأرشيف بدأت منذ شبابه، إذ كان هاوياً لجمع الأفلام والصور والشرائط منذ السبعينيات، لكنه يؤكد أن التحول الحقيقي جاء بعد احتلال العراق عام 2003. “بهذاك الوقت، انسرق أرشيف العراق. السينما، التلفزيون، الرياضة، حتى الصور الإخبارية. البعض باعها، والبعض حرقها حتى يطلع نترات الفضة من الأفلام ويبيعها”.

ويضيف أن ما جرى لم يكن مجرد سرقة ممتلكات، بل “سرقة ذاكرة شعب كامل”، حيث ضاعت آلاف الساعات من المواد المصورة التي توثق تاريخ العراق الحديث.

تشير تقارير اليونسكو ومنظمات مختصة بحماية التراث إلى أن الأرشيف السمعي والبصري في العراق تعرض بعد عام 2003 لأضرار جسيمة، شملت الحرق والنهب والضياع، ما أدى إلى فقدان جزء كبير من الذاكرة الثقافية والإعلامية، في ظل غياب منظومة وطنية متكاملة للحفظ الرقمي والأرشفة.

أمام هذا المشهد، قرر سامي أن يفعل ما يستطيع، رغم إمكانياته المحدودة. بدأ بالبحث في الأسواق الشعبية، والمخازن المهجورة، وحتى البيوت القديمة، عن أي شريط أو صورة أو فيلم يمكن إنقاذه.

يقول: “كنت أشتري الأرشيف من جيبي، ومرات أدفع أكثر من طاقتي. المهم ما ينحرگ وما يضيع”.

بمرور السنوات، تمكن سامي من جمع مئات المواد الأرشيفية التي تشمل السينما العراقية، مباريات كرة القدم القديمة، حفلات فنية، أعمالاً درامية، ونشرات إخبارية نادرة. وبدلاً من الاحتفاظ بهذا الأرشيف في منزله، قرر سامي إخراجه إلى الناس.

اختار شارع المتنبي، بوصفه فضاءً ثقافياً مفتوحاً، ليعرض ما جمعه عبر شاشة صغيرة وسينما قديمة. كل جمعة، يتجمع المارة حوله، يشاهدون لقطات لم يروها منذ عقود، أو يشاهدها الجيل الجديد للمرة الأولى.

يقول أحد رواد المتنبي، أبو زيد جاسم: “نشوف تاريخنا گدامنا. مباريات، ممثلين، مذيعين، ناس اختفوا من الذاكرة”.

وبحسب دراسات أكاديمية، فإن المواد الفيلمية والوثائق المصورة تعد من أكثر عناصر التراث عرضة للتلف، بسبب قدمها واعتمادها على وسائط حساسة، ما يجعل المبادرات الفردية لحفظها ذات أهمية كبيرة في حماية التاريخ الحديث من الاندثار.

حول سامي، يقف أصدقاؤه من المثقفين وباعة الكتب، أحدهم عبد الأمير، بائع كتب قديمة، يقول: “سامي يسوي شغل وزارة كاملة. لو لا هو وغير أشخاص مثله، جان ضاع كل شي”.

أما الشاب علي كريم، أحد زوار المتنبي، فيقول: “إحنا جيل ما شفنا هالأشياء. هذا الأرشيف يعلمنا شنو كان العراق”.

رغم أهمية ما يقوم به، يؤكد سامي أن عمله يواجه صعوبات كثيرة، أبرزها غياب الدعم الرسمي “ما عدنا مؤسسة تجي تسأل شنو عدك؟ شنو تحتاج؟ كلشي على الجهد الشخصي”. ويضيف أن بعض المواد مهددة بالتلف بسبب قدمها، وعدم توفر أجهزة حفظ حديثة.

سامي لا يحلم بالشهرة ولا بالمال، بل بمكان آمن للأرشيف. يقول في ختام حديثه: “أتمنى يصير عدنا مركز أرشيف حقيقي. مو إلي، للعراق. حتى أولادنا يعرفون شنو كان عدنا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى