أول متحف ذكي في بغداد: الأرشيف العثماني يعود بلغة رقمية

مهدي غريب – بغداد

في أحد صباحات شارع المتنبي، حيث تختلط رائحة الورق القديم بضجيج الزائرين، يفتح المركز الثقافي أبوابه على تجربة غير مألوفة في بغداد: أول متحف ذكي يعيد تقديم أرشيف العراق العثماني، لا عبر الرفوف والغبار، بل عبر الشاشات والخرائط التفاعلية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

كان المبنى المطل على نهر دجلة كلية عسكرية عثمانية لتخريج الضباط، واليوم يعود بالتاريخ إلى الحياة بلغة رقمية حديثة.

لم يكن المكان اختياراً عابراً. فالمركز الثقافي في شارع المتنبي يحمل في جدرانه ذاكرة عثمانية واضحة، إذ كان مؤسسة عسكرية تخرّج فيها ضباط خدموا في ولايات الدولة العثمانية. اليوم، يتحول هذا الإرث إلى مادة عرض بلغة رقمية مختلفة عما اعتاده زوار الأرشيف والباحثون.

يقول حيدر العبد، مؤسس المتحف الذكي وموظف في المركز الثقافي، وهو يتنقل بين الشاشات مراقباً تفاعل الزائرين: “الفكرة بدأت من سؤال بسيط: لماذا يبقى تاريخنا محصوراً بالكتب؟ لماذا لا نعرضه بطريقة تخاطب الجيل الجديد؟”

يعرف حيدر جيداً طبيعة المكان وما يحتويه من أرشيف ووثائق، لكنه أراد أن يخرج بهذا المحتوى من إطاره التقليدي إلى فضاء أكثر انفتاحاً وحداثة.

المتحف الذكي، وهو الأول من نوعه في العراق، يركّز بشكل خاص على أرشيف العراق في العهد العثماني: وثائق رسمية، مراسلات، أوامر إدارية، صور، ومداولات كانت تُجرى بين بغداد وإسطنبول باتت اليوم معروضة بصيغة رقمية تتيح للزائر تصفحها وتكبيرها والاطلاع على تفاصيلها دون المساس بالأصل الورقي الحساس.

يقول العبد بينما يقوم بتشغيل الشاشة الكبيرة: “عندنا وثائق كبيرة ومهمة، بعضها يُعرض للمرة الأولى بهذا الشكل”.

يوضح العبد أن من بين الوثائق المعروضة “مراسلات توضح كيف كانت تُدار بغداد، وكيف كانت علاقتها بالإدارة المركزية في الدولة العثمانية”.

لا يقتصر العرض على الوثائق المكتوبة، فالمتحف يضم صوراً نادرة لضباط عثمانيين تخرجوا في هذه الكلية نفسها، وصوراً لقادة عثمانيين وعراقيين خدموا في تلك المرحلة، إضافة إلى مواد بصرية توثق الحياة العسكرية والإدارية في العراق العثماني. عبر تقنيات العرض الذكي، يمكن للزائر أن يتنقل بين الشخصيات والأحداث، وأن يربط بين الوثيقة والصورة والسياق التاريخي.

الاختلاف الجوهري في هذا المتحف لا يتوقف عند كونه أول تجربة ذكية في بغداد، بل في الطريقة التي أُعيد بها تعريف معنى العرض الأرشيفي نفسه.

فالمتحف لا يقدّم الوثيقة بوصفها مادة جامدة محفوظة للباحثين فقط، بل يحوّلها إلى نقطة دخول لفهم مرحلة كاملة من تاريخ العراق، من خلال الربط بين النص والصورة والسياق السياسي والعسكري للعهد العثماني.

بالنسبة لزائري هذا المتحف الذكي، يصبح الأرشيف تجربة سردية مفتوحة، لا مادة محفوظة خلف الزجاج.

تقول سارة عبد الله، طالبة جامعية: “لم أكن أتوقع أن أستمتع بمشاهدة الأرشيف.. التفاعل مع الوثائق والصور جعلني أشعر وكأنني أعيش التاريخ بنفسي”.

ويقول أيمن جاسم، موظف في إحدى الدوائر الحكومية: “أعجبتني فكرة الربط بين الصور والمراسلات والخرائط الرقمية، تجعل فهم التاريخ أسهل وأكثر تشويقاً”.

بينما تضيف ليلى محمد، إحدى زائرات المتحف: “التقنيات الذكية أعادتني خطوة إلى الوراء، لأتخيل حياة الضباط والقادة العثمانيين، وكأنني أتجول معهم بين الوثائق”.

 

حسن علي، بائع كتب وباحث في التاريخ العراقي بشارع المتنبي، يعلق: “أنا أتعامل مع الكتب والوثائق منذ سنوات، لكن رؤية الأرشيف بهذه الطريقة الرقمية يفتح آفاقاً جديدة. الفكرة ممتازة، خاصة للشباب الذين لا يملكون الوقت للتعمق في الكتب القديمة”.

يذهب المتحف إلى كسر النمط التقليدي الذي اعتاده زوار المركز الثقافي لسنوات، حيث كان الأرشيف يُقدم عبر الكتب والمجلدات والملفات الورقية.

اليوم، تُعرض هذه المادة نفسها عبر شاشات تفاعلية وتقنيات رقمية تسمح للزائر بالتنقل بين الوثائق، وتكبير التفاصيل، والاطلاع على المراسلات والصور دون وسيط. هذا التحول لا يحمي الأرشيف من التلف فحسب، بل يوسّع دائرة الوصول إليه، ويمنحه حياة جديدة خارج حدود القراءة الأكاديمية.

أما التجديد، فلا يتجلى فقط في استخدام التكنولوجيا، بل في مخاطبة جيل جديد اعتاد الصورة والتفاعل السريع عبر أدوات العرض الذكي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

يختم مؤسس المتحف حديثه وهو يشير إلى إحدى الشاشات التي يتجمع حولها الزوار: “هذا الأرشيف كان موجوداً، لكنه لم يكن حاضراً. نحن لم نخترع التاريخ، بل غيّرنا فقط طريقة الوصول إليه”.

بالنسبة له، لا يمثل المتحف الذكي نهاية مشروع، بل بدايته. هو “خطوة أولى نحو إعادة التفكير بكيفية حفظ وعرض تاريخ العراق، بحيث يبقى حياً ومتاحاً وقادراً على مخاطبة الحاضر”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى