بغداد – عذراء الشمري
في أزقة باب الشيخ القديمة قرب الحضرة القادرية في العاصمة بغداد، تنتشر مجموعة من المحال التي تبيع الدفوف. هناك يجلس الحرفيون على طاولاتهم، يصفّون الدفوف بعناية، بينما يمر المنشدون والموسيقيون الشعبيون لاختيار ما يناسبهم.
مازن، شاب في الثانية والثلاثين من عمره، صاحب أقدم محل في السوق، يعمل في هذه المهنة منذ 16 عاماً. يبيع الدفوف العراقية والمحابس الفضية والإكسسوارات والمصاحف وغيرها من الأشياء المرتبطة بمرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني.
يقول مازن إن حضور الزبائن يكون متواصلاً في وقتي الظهر والعصر، خاصة من محبي التراث والأدوات الدينية، ويزداد الإقبال في المواسم الدينية مثل المولد النبوي ومولد الشيخ عبد القادر وشهر رمضان المبارك، حيث يتوافد الناس بكثرة لشراء الدفوف.
يُعدّ الدف العراقي صناعة يدوية تعتمد على جلد الماعز، ويصفه مازن بأنه شغل عراقي مئة بالمئة، إلى جانب الدف الباكستاني المصنوع من جلد الغزال، وهما الأكثر طلباً بسبب أصواتهما وجودتهما المميزة، إلا أنهما يتأثران بالجو والرطوبة، لذلك يحتاجان إلى التسخين في فصل الشتاء للحصول على الصوت المطلوب. كما توجد أنواع مختلفة من الإطارات مثل الصفصاف والصاج واللوز، ويُعدّ إطار اللوز الأفضل من حيث الخفة والمسكة والصوت.
يشير مازن إلى أن هذه المهنة تُمارَس كهواية لدى البعض، وتُورث لدى آخرين، مثل الطريقة الكزكزانية والقادرية والرفاعية، حيث تختلف أنواع الدفوف المستخدمة بحسب كل طريقة. ويذكر أن أكثر المحافظات صناعةً للدفوف العراقية والباكستانية هي ديالى وتكريت وكركوك والبصرة، وأن سعر الدف يختلف بحسب الحجم ونوع الجلد، ويتراوح من خمسة آلاف دينار إلى ما يقارب 100 دولار.
ورغم أن هذه الصناعة على وشك الاندثار، إلا أن مازن يبدو متفائلاً: “إن شاء الله مستمرة ما تندثر”. ويعترف بأنه يواجه العديد من الصعوبات مثل ارتفاع تكاليف المواد وصعوبة التواصل اللغوي مع السياح القادمين من دول مختلفة، إلا أنه يظل محافظاً على محله باعتباره الأقدم في هذه المنطقة، ويغلقه يومياً حوالي الساعة العاشرة مساءً تزامناً مع إغلاق مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني.

على بُعد أمتار قليلة، يقف فراس البالغ من العمر 38 عاماً، صاحب محل آخر، يعمل في المهنة التي توارثها من عائلته منذ سنوات. يبدأ يومه بترتيب دفوفه بعناية، يعلّق بعضها على الجدار ويضع أخرى عند مدخل المحل قبل أن يبدأ السوق بالضجيج من الثامنة صباحاً وحتى الرابعة عصراً، جامعاً قوت يومه ومتمسكاً بمهنة يرى فيها أكثر من مصدر رزق.
يوضح فراس أن أسعار الدفوف تختلف بحسب الحجم ونوعية الجلد وطريقة التصنيع، فبعضها يُصنع يدوياً والبعض الآخر مستورد، كما يختلف السعر من محل إلى آخر. ويشهد المحل إقبالاً كبيراً في أيام الخميس والجمعة والسبت، خاصة خلال العطل والمناسبات الدينية والمهرجانات، إذ إن أغلب الزبائن يأتون من المناطق الغربية والبصرة. ويؤكد أن الدف الباكستاني والعراقي هما الأكثر رواجاً بين الزبائن لأسعارهما المناسبة.
وعن الجلود، يذكر فراس أن هناك أنواعاً مختلفة مثل الماعز والغزال والبقر، وتُعدّ صناعة الدفوف الباكستانية من جلد الغزال من أفضل الأنواع لما تتميز به من قوة ومتانة وصوت جذاب. وتختلف أصوات الدفوف المصنوعة من الجلد عن تلك المصنوعة من الأشعة، خاصة في الرنة والنبرة.
ويشير إلى المعاناة التي يواجهها بائعو الدفوف في الحصول على جلود عالية الجودة، خاصة بعد دخول الدفوف المستوردة، حيث زادت المنافسة وصارت الأسعار والمواصفات تمثل تحدياً أمام الحرفيين المحليين للحفاظ على جودة منتجاتهم.
بين رفوف الدفوف المصفوفة، يقف كريم، زبون من سكان الأعظمية، يشتري دائماً من محل فراس، وكأنه يختار صديقاً لكل مناسبة. هوايته الدق على الدفوف تجعله يلتفت للصوت أكثر من الشكل، يجرب كل دف بعناية، يقارن بين الأنواع والأسعار، ويستمع لنصيحة البائع ليأخذ الأفضل. يبتسم وهو يقول “آخذ نصيحة البائع لأنه خبير ويعرف شنو أريد، وما يقصّر بالسعر”.
يشرح كريم عن اختلاف الأسعار بينها قائلاً “أصعب شيء بالنسبة لنا أحياناً هو السعر، الدف الجيد غالي شوية، فلازم الواحد يقارن. والجودة مو دائماً متساوية، حتى لو شكله مثل البقية، الصوت يفرق ويحتاج الواحد يجربه”.
ويضيف “غير السعر والجودة، أحياناً تواجهني صعوبات ثانية مثل وجود تشققات بالجلد، أو شدّه مو مضبوط، وبعض الدفوف صوتها مو مضبوط. وكثرة الأنواع بالسوق، رغم إيجابيتها، تجعل الواحد محتار أي دف يختار”.
في محل قريب، يعرض محمد عمار، بائع آخر يعمل في هذه المهنة منذ سنوات، مجموعة متنوعة من الدفوف بأوزان وأحجام مختلفة تتراوح بين الصغيرة والكبيرة، ثلاثين وخمسة وأربعين وستين سنتيمتراً، وبأشكال متعددة. تتوفر لديه الدفوف المصنوعة من جلود الماعز والغزال والبقر، ويؤكد أن جلد الغزال هو الأفضل بسبب صلابته وجودة الصوت.
يشرح محمد أن الدفوف تتأثر بالجو والرطوبة، ففي الأيام الباردة لا تعطي النغمة المطلوبة، أما في الأيام الحارة فقد يضعف صوت الرنة الجميلة، بينما الألواح والخشب لا تتأثر بهذه الظروف.
ويضيف أن بعض الأشخاص يحتفظون بالدفوف لفترات طويلة، لكنها يمكن أن تعود كما كانت إذا تم الاعتناء بها بشكل صحيح. ويؤكد أن مميزات الدفوف التي يبيعها تكمن في جودة الصوت والرنة المميزة، وهي مطلوبة من قبل المحافظات لاستخدامها في الحفلات والمناسبات، بعيداً عن المواليد والأذكار.
في زاوية هادئة من السوق، يمسك صباح من منطقة الشواكة بدفه، يمرر يده على الجلد بعد أن يشده على الإطار الخشبي، يتأكد من توازنه، ثم يضيف طبقة خفيفة من الأشعة أو الشمع. كل حركة محسوبة بعناية، لأن زيادة الشمع تخفف الرنين، ونقصانه يجعل الجلد أكثر عرضة للتلف. مع كل ضربة يصغي للنغمة كأن الدف يحدثه عن جاهزيته، فالصوت هنا أهم من الحجم، ومهما تغيّر الفصل أو الجو، يجب أن يبقى ثابتاً.
يقول صباح “الدف يبقى حاضراً في الذكر والمناسبات الدينية، لا يتأثر بشتاء أو صيف، لأنه صُنع بعناية وحُفظ بالشمع الذي يمنحه عمراً أطول وصوتاً لا يخون صاحبه”.
لكن صباح لا يصنع الدفوف فقط، بل يصلح الأدوات الموسيقية والآلات التي يأتي بها المنشدون والعازفون. بعضهم يحمل دفاً قديماً فقد صوته، وآخر جلده تشقق مع الوقت، فيجلس صباح بهدوء، يعاين الخلل، ويعيد شد الجلد أو ضبط الصوت للحفاظ على النغمة الأصلية لكل آلة.
حين يحل المساء على أزقة باب الشيخ، وتُطفأ أضواء المحال واحداً تلو الآخر، يبقى صوت الدف يتردد في الذاكرة. صوت صنعته أيادٍ تعلمت من أيادٍ، وأصابع عرفت كيف تميّز بين جلد وآخر، ومع كل ضربة دف، ثمة إصرار على أن يبقى التراث حياً مهما ضاقت السبل.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



