قصص من الشارع

الأموال المفقودة.. ديون انتخابية متراكمة في شارع السعدون بعد الانتخابات

19/02/2026

بعد أكثر من ثلاثة أشهر على انتهاء الانتخابات النيابية في العراق، لا تزال الأزمة المالية تطارد أصحاب المكاتب في شارع السعدون وسط بغداد. فقد أُزيلت جميع الإعلانات والفليكسات بعد يومين فقط من انتهاء الانتخابات، لكن المشكلة الحقيقية لم تُحل: الأموال التي استحقها أصحاب المكاتب والدعاية لم تصل إليهم بعد.

مهدي غريب – بغداد

في قلب شارع السعدون، حيث تتكدس مكاتب الطباعة والدعاية على جانبي الطريق، يقف أربعة من أبرز أصحاب المكاتب في الثلاثينات من أعمارهم، يراجعون دفاترهم وحساباتهم حيدر، حسان، وصديقان آخران، جميعهم تعاملوا مع أحزاب وتحالفات كبيرة لتقديم خدماتهم الدعائية خلال الحملات الانتخابية. حتى الآن، لم يتم تسديد المبالغ الباقية المتفق عليها. بعضهم يطالب بما يقرب من نصف مليار دينار، وآخرون أكثر من 600 مليون دينار، بينما تتراوح ديون البعض الآخر بين مئات الملايين، موزعة على مرشحين فائزين وخاسرين على حد سواء.

حيدر، أحد أصحاب المكاتب، يصف الوضع بقوله “الخسارة لا تتعلق بالنتائج فقط، بل بالمال الذي قدمناه لقاء خدماتنا. كل ما كان علينا فعله هو تجهيز الدعاية والمواد، وطباعة اللافتات والفليكسات، ودفع أجور العمال. بعد الانتخابات أزيلت كل اللافتات، لكن مستحقاتنا لم تصل أبداً.”

يوميات أصحاب المكاتب لا تختلف كثيراً الموردون يواصلون الطلب بمستحقاتهم، العمال لم يستلموا رواتبهم بالكامل، وتراكمت الفواتير، مما أجبر بعض أصحاب المكاتب على التفكير في بيع المعدات أو الهروب خارج العراق مؤقتاً لتجنب الديون المستحقة عليهم. 

حسان في الثلاثينات، يقول “كل ما أردناه هو استكمال عملنا بكرامة. لا نطلب أكثر من حقنا، لكن البعض هرب أو رفض الدفع، وبعض الأحزاب الكبيرة لم تلتزم بتسديد أي جزء من المستحقات.

تراكم الديون منذ الانتخابات السابقة

هذه الأزمة ليست جديدة على شارع السعدون أو أصحاب المكاتب فيه. الانتخابات السابقة شهدت نفس النمط، المرشحون يتعاملون مع مكاتب الدعاية كخدمات مؤقتة، تعد بالدفع بعد النتائج، لكن الحقيقة تظهر بعد انتهاء العملية الانتخابية، حيث يبقى أصحاب المكاتب محاصرين بين الديون والالتزامات المالية.

حيدر يوضح “لقد رأينا هذا يحدث مرات عديدة. في كل دورة انتخابية، بعض المرشحين الخاسرين أو حتى الفائزين لن يلتزموا بالدفع، أو يؤجلونه إلى أجل غير مسمى.”

إضافة إلى ذلك، تصل المطالبات المالية إلى مبالغ ضخمة، بعض أصحاب المكاتب يطلبون ما يقارب نصف مليار دينار، والبعض الآخر أكثر من 600 مليون. هذه الأرقام تشمل تكلفة المواد الأولية، أجور العمال، الطباعة، التصاميم، والفليكسات الكبيرة، وكلها أنجزت قبل انتهاء الانتخابات.

الأزمة تتفاقم مع غياب الآليات القانونية الملزمة، التي يمكن أن تحمي أصحاب المكاتب من التأخر أو رفض الدفع. “لو كانت هناك عقود موقعة بضمانات مالية، لكنا الآن في وضع مختلف تمامًا”، يقول حسان، وهو

يشير إلى فواتير لم يتم سدادها. “لكل دورة انتخابية نفس المشكلة، ونحن من يدفع الثمن.”

حتى العمال الذين عملوا في هذه الحملات يجدون أنفسهم في وضع صعب، إذ لم يتلقوا رواتبهم، بينما يتحمل أصحاب المكاتب كل التزاماتهم تجاه الموردين، وهو ما يجعل بعضهم يفكر بالهروب خارج العراق لتجنب الإفلاس. أحد الموردين الذين زودوا المكاتب بالمواد الأولية قال “لقد فوجئت عندما علمت أن أصحاب المكاتب لم يتمكنوا من تحصيل أموالهم بعد الانتخابات. في النهاية، نحن الموردون ندفع الثمن أيضاً، لأننا نقدم المواد أولاً.

البحث عن حلول ومستقبل غير مضمون

مع مرور أكثر من ثلاثة أشهر على انتهاء الانتخابات، لا يزال أصحاب المكاتب يبحثون عن حلول لإنهاء الأزمة. بعضهم يطلب المرشحين الفائزين أو الخاسرين بسداد مستحقاتهم، بينما يقترح آخرون اللجوء للقضاء أو اتخاذ إجراءات قانونية لضمان الحقوق المالية.

حيدر يضيف “لا نريد أن نغلق المكاتب، ولا أن نتوقف عن العمل. نحن نؤمن بأن عملنا كان مهنياً، ولكننا بحاجة إلى دفع مستحقاتنا. بدون هذا المال، لا يمكننا دفع العمال أو تغطية تكاليف المواد.”

الخبراء القانونيون يشيرون إلى أن غياب التنظيم المالي للعقود الانتخابية يؤدي إلى مثل هذه المشكلات، ويؤكدون أن الحل الأمثل يتمثل في وضع عقود واضحة، ودائع مسبقة، أو ضمانات مالية تضمن حقوق أصحاب المكاتب والدعاية قبل بدء الحملات الانتخابية.     

في الوقت نفسه، لا يزال هؤلاء الشباب يحاولون الصمود. حسان يقول “لقد واجهنا هذه المشكلة مرات عديدة، لكننا ما زلنا نحاول الاستمرار. نأمل أن يتم تنظيم العملية الانتخابية بحيث لا نكرر نفس الأخطاء في المستقبل.”

أصحاب المكاتب الأربعة – حيدر، حسان، وصديقان آخران – يمثلون نموذجاً لشباب بغداد الذين يعانون من تراكم الديون وعدم الوفاء بالالتزامات المالية بعد كل دورة انتخابية. قصتهم تسلط الضوء على جانب مهم من العملية الانتخابية، وهو الجانب المالي والتنظيمي الذي يؤثر على الحياة اليومية للشباب والاقتصاد المحلي، ويبرز الحاجة إلى تدخل رسمي وتنظيم قانوني لحماية العاملين في القطاع الانتخابي ومنع تراكم الديون مستقبلًا.

شارع السعدون اليوم يعكس واقعاً لم يختلف عن الانتخابات السابقة شباب في الثلاثينات من عمرهم دفعوا أموالهم وجهدهم في خدمة الحملات الانتخابية، لكن المرشحين الفائزين والخاسرين لم يسددوا مستحقاتهم. تراكم الديون، غياب الضمانات، وتكرار نفس النمط عبر الدورات الانتخابية يجعل هؤلاء الشباب أكثر عرضة للأزمات المالية والاجتماعية، ويضع تساؤلات حول ضرورة وضع آليات واضحة لضمان حقوق أصحاب المكاتب والدعاية والإعلانات في الانتخابات القادمة.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali