بين أزقة بغداد وشوارعها، تعلو أصوات بائعي الخضار والسمك والماء، ذلك الصوت الذي اعتادته البيوت وأصبح جزءاً من إيقاع الحياة اليومية. هؤلاء الباعة لا يحملون بضاعتهم فحسب، بل يحملون قصصاً من السعي والتعب، يواجهون برد الشتاء وحرارة الصيف، ويتعاملون مع أشخاص مختلفين، وهم يلاحقون رزقهم في شوارع المدينة المزدحمة.
المنصة – رقية خضير
في مدينة يتجاوز عدد سكانها ثمانية ملايين نسمة، يشكّل الضجيج أحد أبرز ملامح المشهد اليومي، من هدير المركبات إلى أصوات المولدات الكهربائية، وصولاً إلى نداءات الباعة الجوالين. وبين هذا الخليط الصوتي، يصبح صوت البائع علامة حياةٍ وحركة، لكنه في الوقت ذاته مصدر شكوى لدى بعض السكان، خاصة في ساعات الصباح الأولى.
زيدون: السمك من الفجر إلى الظهر
يزور زيدون علوة الرشيد عند الساعة الثالثة فجراً، قبل شروق الشمس، للحصول على السمك، ثم يتجول بعربته المتنقلة، أو “الستوتة”، في أزقة المدينة من الثامنة صباحاً حتى الثانية ظهراً، منادياً عبر مكبر الصوت: “أبو الطيب.. سمج سمج”.
زيدون، البالغ من العمر خمسةً وأربعين عاماً، خريج المرحلة الابتدائية، يعيل عائلة مكوّنة من طفلين، ويعتمد على بيع السمك منذ خمسةٍ وثلاثين عاماً مصدراً أساسياً للرزق.

خلال جولاته اليومية، يلتقي زيدون بزبائن يختلفون في احتياجاتهم ومواقفهم.
أبو علي، البالغ من العمر سبعةً وستين عاماً، يقول: “نحن متفهمون لرزقه، لكن صوته عالٍ ويزعج الأطفال وكبار السن”.
ويردّ زيدون: “الضجيج الذي يشتكي منه السكان هو نفسه الصوت الذي يفتح باب الرزق لأسرة كاملة”.
أم أحمد، ذات الخمسة والأربعين عاماً، اشترت منه السمك رغم أن السعر لم يتوافق مع توقعاتها، مشيرةً إلى أن الذهاب إلى السوق أكثر مشقة. تقول: “سمجه نظيف وجديد، وأشتري منه لأنه ينظفه أمام عيني”. بينما تشتري جاراتها وأقاربها منه بانتظام، لأن البيع المتجول يوفر عليهن الوقت والجهد.
بعد انتهاء يومه، يعود زيدون محمّلاً بأكياس المسواك لعائلته، فيستقبله أولاده بابتسامة وفرح، ويروون له أحداث يومهم، فينسى تعب العمل مؤقتاً، قبل أن يتذكر أنه عليه الاستعداد لجولة جديدة مع فجر اليوم التالي.
كاظم دشر: عربته مصدر رزق العائلة
كاظم دشر، مسن في السادسة والخمسين من عمره، بدأ عمله في بيع الخضرة منذ ثمانينيات القرن الماضي. يتجول بعربته في شوارع منطقة الرسالة، بجانب الكرخ، دافعاً عربةً وظهراً منحنيّاً يحمل آثار سنوات طويلة من التعب، ويعاني أيضاً من مشكلات في النظر.
بعد صلاة الفجر، يتوجه إلى العلوة لشراء الخضرة، ثم يجوب الشوارع من الثامنة صباحاً حتى الثالثة ظهراً، ليعود بعدها لتناول الغداء وأخذ استراحة قصيرة، قبل أن يبيع ما تبقى أمام منزله حتى العاشرة مساءً. عائلته المكوّنة من ستة أفراد تعتمد على هذا العمل لتأمين المعيشة ودفع إيجار المنزل.
يتعامل كاظم مع الزبائن بحذر وصبر. ففي بعض الأحيان يطلب بعض السكان إطفاء مكبر الصوت بسبب الضوضاء، لكنه يوازن بين احتياجاتهم ورزقه قائلاً: “ليس لدي أذية على أحد. بعض الناس تنزعج من مكبر الصوت، فأطفئه إلى حدٍّ ما، ثم أتجاوز تلك المنطقة وأعيد تشغيله، لأن هذا الصوت مصدر رزقي ولا أستطيع الاستغناء عنه”.
وتشير تقديرات سابقة صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء لعام 2015 إلى وجود أكثر من ستة وأربعين ألف بائع متجول في شوارع العاصمة، فيما لا تتوفر إحصاءات دقيقة محدثة لعام 2026. كما تحتل بغداد المرتبة الأولى في عدد الباعة المتجولين مقارنةً ببقية المحافظات، بحسب بيانات وزارة التخطيط العراقية.
هذا الانتشار الواسع يعكس واقعاً اقتصادياً معقداً يدفع الآلاف إلى العمل في القطاع غير المنظم بحثاً عن مورد يومي للعيش.
هكذا يمضي كاظم يومه بين العمل والزبائن، محافظاً على توازن دقيق بين كسب الرزق والحفاظ على علاقات جيدة مع المجتمع المحيط به.
محمد سعد: ماءٌ وهمّة
محمد سعد، بائع الماء، يتنقل في أزقة بغداد بالستوتة حاملاً جالوناً بلاستيكياً ليروي عطش سكان المدينة. يعمل في هذا المجال منذ ست سنوات، ويوازن بينه وبين وظيفة أخرى لتأمين لقمة العيش لعائلته، وأصبح البيع المتجول عبر الستوتة مصدر رزقه الرئيسي.

يحرص محمد على تعبئة الخزانات بسعة خمسمئة لتر، ويعيد تنظيفها يدوياً أو بطريقة الغسل الذاتي، حفاظاً على صحة المواطنين، لأن الخزانات الأكبر تحتاج إلى تنظيف يدوي متقن.
يتفاعل محمد مع زبائنه يومياً، إذ يواجه أحياناً طلبات لإطفاء مكبر الصوت الذي ينادي به: “مي أرو… مي أرو دبة خمسمئة”، خصوصاً إذا كان هناك أطفال نائمون. لكنه يبتسم ويقول: “أنا على باب الله، أعطني رزقي وأعود إلى البيت”.
زبائنه، مثل أم مريم، تفضّل الشراء منه لأنها تثق بنظافة الماء وطعمه، ويقصده الجيران للسبب ذاته، ما يجعل عمله مستمراً رغم صعوبته. وتقول: “نحتاجه كل يوم، لكن صوته مزعج”.
تحديات يومية
الباعة المتجولون يواجهون صعوبات كبيرة في حياتهم اليومية؛ من حرارة الصيف إلى برد الشتاء، ومن الزحام في الشوارع إلى الضغوط الاجتماعية من بعض السكان.
وفي أحياء كثيرة، تتداخل حركة الباعة مع ازدحام السير وضيق الأزقة، ما يجعل مرورهم بعرباتهم تحدياً يومياً. كما أن غياب أماكن مخصصة للبيع يدفعهم إلى التنقل المستمر، بحثاً عن زبائن جدد ومناطق أقل شكوى. هذا الواقع يضعهم بين مطرقة الحاجة إلى العمل وسندان التنظيمات المحلية التي تحاول الحد من الفوضى والضوضاء.

آلاء محمد، طالبة في الصف السادس الإعدادي، تشكو من الضوضاء قائلة: “غرفتي مطلة على الشارع، ويزعجني صوتهم كثيراً أثناء الدراسة والنوم. أحياناً أستيقظ على أصواتهم ولا أستطيع النوم وأخذ قسط الراحة الكافي لمواصلة دراستي”.
فاطمة علي تضيف منظوراً آخر، إذ تقول: “أنا لا أشتري دائماً من الباعة الجوالين، لأن بضاعتهم غالباً ما تكون تالفة، خاصة في الصيف. لكن أشتري منهم في الشتاء، لأن الجو يساعد على بقاء البضاعة مدة أطول”.
نهاية جولة وبداية أخرى
تعكس هذه التحديات اليومية التوازن الدقيق الذي يحاول الباعة الحفاظ عليه بين كسب الرزق وإرضاء الزبائن.
وقبل أن تغيب الشمس، يعود كل بائع إلى بيته محمّلاً بما تبقى من بضاعته، ليشارك أسرته تفاصيل يومه. يستقبله أولاده بابتسامة وفرح، ويروون له أحداث يومهم، فينسى التعب مؤقتاً، قبل أن يتذكر أن الغد سيحمل تحديات جديدة، وأن مكبرات الصوت ستعود إلى العمل من جديد، لتبثّ الحياة في شوارع المدينة.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



