الأنبار- أحمد كوكب
على طرف الطريق الترابي المؤدي إلى مخيم بزيبز، كانت الريح ترفع أطراف الخيام كأنها تحاول اقتلاعها من جذورها الهشة. هناك وقفت أم مهدي، واسمها سندس تركي، تنظر إلى أطفالها بعيني أمٍ تخشى أن ينقص العدد في غفلة.
بعد اثني عشر عامًا من النزوح، لم تعد تحصي السنوات بقدر ما تحصي المخاوف: صحة، دراسة، طعام، وماء. لديها تسعة أبناء، أربعة تزوجوا، وخمسة ما زالوا تحت جناحها، وقلقها عليهم لا ينام. تقول وهي تشير إلى صغارها: “أصعب مسؤولية عندي الأطفال، لا أنا مطمئنة عليهم صحيًا ولا دراسيًا ولا بأي شيء بالمخيم”.
ما قالته الأربعينية ليس جملة عابرة، بل خلاصة حياة أُعيد ترتيب أولوياتها قسرًا. حياة عالقة منذ أكثر من عقد بين زمنين: زمن بيتٍ تركته خلفها في جرف الصخر، وزمن خيمة لا تتوقف عن التذكير بأنها مؤقتة.
تعود قصة نزوح أهالي مناطق جرف الصخر الواقعة شمالي محافظة بابل إلى عام 2014، حين تحولت قراهم وأراضيهم إلى ساحة قتال خلال المعارك ضد تنظيم “داعش”. غادر السكان منازلهم على أمل العودة بعد انتهاء العمليات العسكرية، لكن السنوات مضت وبقيت المنطقة مغلقة لأسباب أمنية، مع استمرار القيود على الدخول إليها وغياب مقومات الحياة الأساسية. وهكذا، تحوّل النزوح المؤقت إلى إقامة طويلة في مخيمات مثل بزيبز، حيث ما تزال العائلات تنتظر قرارًا يتيح لها العودة إلى ديارها.
بحسب مدير فرع وزارة الهجرة والمهجرين العراقية في محافظة الأنبار، نوفل سعد الفهداوي، يبلغ عدد العائلات في عشوائيات مخيم بزيبز 1430 عائلة، وجميعها ما تزال مسجلة كنازحة، إذ لم تُسجل أي حالة عودة حتى الآن بسبب بقاء مناطقهم الأصلية “مناطق عسكرية مغلقة”.
هذا الرقم يكشف حجم التحول، فما بدأ كحل طارئ عام 2014 بات واقعًا طويل الأمد. يقول الفهداوي: “حالة النزوح تحولت من طارئة إلى طويلة الأمد، الناس موجودون منذ أكثر من اثني عشر عامًا”.
لكن على الأرض لا تبدو عبارة “طويلة الأمد” مجرد توصيف إداري، بل تعريفًا لحياة لا تملك أفقًا واضحًا.
في زاوية ضيقة قرب خيمتها تربي أم مهدي الدجاج. تشتري عشر دجاجات فتبيعها على جيرانها، ثم تعود لتشتري غيرها. مشروع صغير لا يحتاج مساحة، لكنه يحتاج رأس مال لا تملكه. تقول بصوت متعب: “الإمكانية ماكو يا ولدي”.
قبل النزوح كانت فلاحة تعرف شكل الفجر في الحقول، تصنع السمن، وتخض اللبن، وتربي المواشي، وتزرع البطاطا. كانت تفطر أطفالها من إنتاج أرضها. تبتسم نصف ابتسامة وتقول:“لم أكن أعرف أسعار القيمر والزبدة في السوق”.
اليوم كل شيء يُشترى، حتى الماء. تدفع عشرة آلاف دينار كل عشرة أيام مقابل خزان لا يصلح حتى للطبخ. زوجها يتقاضى راتبًا تقاعديًا قدره 600 ألف دينار، يعيل به عائلتين يتجاوز عدد أفرادهما السبعة عشر.
المرض أيضًا حاضر في الحسابات اليومية. تعاني تليف الكبد بعد سنوات من مراجعات طبية خاطئة، وتربط حالتها بـ“الظروف التي أضعفت المناعة”. في الصيف حرارة خانقة، وفي الشتاء برد يتسلل من أطراف الخيمة، وكل فصل يحمل أمراضه.
وتشير إلى ما تعتبره ظلمًا مضاعفًا: “المساعدات ما توصلنا مباشرة.. تمرّ على أهل المنطقة أولًا، وإذا بقى شي يجي إلنا. حتى المشاريع المخصصة للنازحين حصلوا عليها أكثر منا. هذا مو إنصاف”.
رغم الهشاشة، نشأت داخل المخيم اقتصاديات مصغرة: بائع خضار، حداد، حلاق. عبدالله سلمان، خريج قسم تربية التاريخ عام 2024 وكان الثاني على دفعته، اصطدم حلم الوظيفة بسؤال أبسط: كيف يعيش؟ بمساعدة منظمات إنسانية افتتح محل حلاقة صغيرًا من ألواح خشب. يقول مبتسمًا: “الحلاقة بركة”.
يوضح سلمان أن أجر الطفل ثلاثة آلاف دينار، والكبير خمسة آلاف. أحيانًا يحلق لشخصين في الأسبوع، وأحيانًا لا يأتي أحد. يفكر في الماجستير، يفكر في العودة، لكنه لا يفكر في استثمار طويل الأمد: “إذا فتحنا مشروع كبير وخسرنا؟ شنو لو فجأة فتحوا باب العودة؟”
يتكرر سؤال واحد على ألسنة معظم من نلتقيهم داخل المخيم: كيف يمكن لإنسان أن يبني حياة وهو يعلم أنه قد يُطلب منه مغادرتها في أي لحظة؟
مدين فلاح حسون، 34 عامًا، يعمل عامل بناء حين يتوفر العمل خارج المخيم. أجره يتراوح بين 20 و25 ألف دينار يوميًا، لكن العمل قد لا يأتي إلا يومين في الشهر. يقول: “بالمخيم ما نفكر بالمستقبل لأنه ماكو مستقبل”. ويضيف: “إذا ما اشتغلت نعيش على التبرعات”.
ثلاثة من أطفاله وُلدوا هنا. بالنسبة لهم، المخيم ليس محطة مؤقتة، بل العالم الوحيد الذي يعرفونه. وعندما سُئل عن معنى “الانتظار”، صمت قليلًا ثم قال: “أشعر أنها كلمة فقدت معناها.”
إداريًا، يصف سلطان العيساوي، مسؤول ملف المخيم في قائمقامية عامرية الصمود التابعة لمحافظة الأنبار، الوضع بقوله: “الوضع الإداري جيد والخدمي شبه معدوم”. لا توجد موازنة خاصة للمخيم ولا خطة تنموية واضحة، والعائق الرئيسي بحسبه هو قلة الدعم من الحكومة المركزية. “إذا لم تتم العودة فالوضع في المخيمات يتفاقم ويصير أخطر”.
داخل المخيم مركز صحي وحيد يُعرف باسم “داري”، لكن هاني صالح، 54 عامًا، يقول: “أحيانًا حتى الباراسيتامول ما موجود، وأدوية الأمراض المزمنة صفر، بينما هي الأهم”.
يوضح صالح أن علاج زوجته المصابة بالسكري والضغط وارتفاع إنزيمات الكبد يكلفه 22 ألف دينار (نحو 17 دولار أمريكي)كل 19 يومًا، فيما يبلغ راتبه التقاعدي 570 ألف دينار (حوالي 435 دولار) يعيل به 26 فردًا. ويضيف بمرارة: “أهل الخير يساعدونا أكثر من الدولة.” ويشير أن المولدة أُزيلت ومحطة الماء أُغلقت بعد عودة بعض سكان الأنبار، ولم يبقَ للمخيم امتياز خدمي خاص.
في طرف آخر من المخيم تجلس أم سجى، 46 عامًا، أم لخمس بنات. في الليلة الأخيرة قبل النزوح قُصف منزلها في جرف الصخر، فخرجت بلا شيء تقريبًا إلا بناتها. كانت تربي المواشي وتزرع الأرض، أما اليوم فتحولت إلى الخياطة والتدريس داخل خيمتها الصغيرة. بدأت بتعليم بنات المرحلة الابتدائية حين كان الوصول إلى المدارس صعبًا، خصوصًا للفتيات. أكملت بناتها الدراسة، وبعضهن التحقن بالكليات. تقول بهدوء: “هذا نضال”.
في أحد الأزقة الترابية يقف عبد السلام، 15 عامًا، يراقب كرة قدم مهترئة. وُلد في جرف الصخر لكنه لا يتذكرها. يقول إنهم كانوا يملكون بستانًا، لكنه لا يعرف شكله. يعرف فقط الخيمة. “أتمنى أن يكون لدي بيت ليس خيمة”.
عبد السلام واحد من مئات الأطفال الذين وُلدوا بعد 2014 ولم يروا أرضهم الأصلية. المدارس موجودة، لكن الاكتظاظ شديد، واستكمال الدراسة مرهون بالقدرة المالية.
مظفر العاني، مدير منظمة إغاثية، يؤكد أن الوضع المعيشي يزداد هشاشة، وأن المخيم يفتقر إلى أساسيات الحياة من ماء وغذاء ودواء. ويرى أن الحل إما إعادتهم إلى مناطقهم أو إنشاء مساكن واطئة الكلفة، مشيرًا إلى أن الفجوات في الاحتياجات الأساسية ما تزال قائمة وتتسع تدريجيًا.
“سمعنا كثيرًا أن العودة قريبة”، يقول هاني، لكن السنوات مضت. لم يعد السؤال: متى العودة؟ بل: هل ستتحقق أصلًا؟
بعد أكثر من اثني عشر عامًا، لم يعد بزيبز مجرد مخيم. هو مجتمع كامل: سوق صغيرة، مدارس، علاقات قرابة، زيجات، مشاريع محدودة، وأطفال ولدوا وكبروا. لكنه مجتمع قائم على افتراض واحد: أنه مؤقت. لكن، ماذا يحدث حين يطول المؤقت حتى يقترب من الدائم من دون اعتراف رسمي؟
تنظر أم مهدي إلى أطفالها وتقول بصوت خافت: “حلمي بس ما يبقون هيچ متبهذلين”.
أم سجى تريد لبناتها مستقبلًا لا يتعثر بخيمة، وعبدالله يريد إكمال دراسته، وعبد السلام يريد غرفة حقيقية.
اثنا عشر عامًا ليست مرحلة عابرة. هي زمن كافٍ لولادة جيل كامل، وتبدل أدوار، وتشكل اقتصاد موازٍ، وتآكل ثقة بالمؤسسات. في جرف الصخر ما زال الباب مغلقًا إلى أجل غير معلوم، وفي المخيم ما زال القرار مؤجلًا. وبين الإغلاق والتأجيل نشأت مدينة كاملة اسمها الانتظار.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.











